الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   08 كانون الأول , 2016 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
بر الوالدين 1

=بر الوالدين (1)

 

الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيراً، أحمده سبحانه يطعم ولا يطعم، بيده ملكوت كل شيء، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله وصفوته من خلقه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى كل من دعا بدعوته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فيقول الله جل جلاله وتقدست أسماؤه: (( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ))[النساء:36].

 

أيها الإخوة المؤمنون: بعد أن أمر الله جل جلاله بعبادته التي خلق الخلق لها بقوله: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56]، بعد أن أمرهم بها في غير ما آية من كتابه العزيز، أمرهم بالإحسان إلى الوالدين، وبالوالدين إحساناً، يقول سبحانه وتعالى: (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ))[الإسراء:23-24].

 

ويقول تعالى: (( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ))[الأنعام:151].

 

يروى عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: "ثلاث آيات في القرآن نزلت مقرونة بثلاث لا تقبل واحدة منها بدون الأخرى: إحداها قوله تعالى: (( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ))[المائدة:92]، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه.

 

والثانية قوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ))[البقرة:43]، فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه.

 

والثالثة قوله تعالى: (( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ))[لقمان:14]، فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه.

 

وفي هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام: [ رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين ].

 

وقوله: [ رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر ولم يدخل الجنة ].

 

عباد الله: إن من كريم الأخلاق التي جاء بها الإسلام، إن من كمال الوفاء وكريم الشمائل والأخلاق والآداب العظيمة التي جاء بها الإسلام، أن تحسن أيها الإنسان محتسباً إلى من أحسن إليك، أن تحسن إلى من أحسن إليك، وفي هذا قول الله تعالى: (( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ ))[الرحمن:60].

 

وقوله عليه الصلاة والسلام: [ من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه ] وليس أحد من الناس أيها الإنسان أسدى إليك معروفاً أكثر مما أسدته إليك أمك وأبوك، فقد ربياك صغيراً، وآثراك على أنفسهما كبيراً، لقد بذلا مهجهما وراحتهما ومالهما لإسعادك وإنعاشك، إن سهرت سهرا معك، إن مرضت مرضا معك، إن حضرت خافا عليك، وإن غبت بكيا عليك، وكانا قبل ذلك السبب في وجودك في الحياة وبروزك شخصاً سوياً تعطي وتأخذ، كانا السبب في وجودك وبروزك شخصاً سويا، من أجل ذا، ومن أجل أن توفق لما أمرك الله سبحانه وتعالى بفعل ما أمرك الله سبحانه وتعالى من طاعته وبر والديك، فتسعد في دنياك، وتنعم في أخراك، من أجل ذا وصاك الله تعالى بهما، وصاك بهما توصية تستجهش القلوب، وتحرك النفوس، وصية تهز المشاعر وتذكر النفس الحية المؤمنة، وصية مبينة حكمتها، قال تعالى: (( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ ))[لقمان:14]، وقال: (( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ))[الأحقاف:15].

 

فيا عباد الله: اتقوا الله، اتقوا الله في والديكم وأطيعوا الله في والديكم، فطاعتهما وبرهما من أعظم القربات المقربة من الله سبحانه وتعالى، وعقوقهما وعصيانهما من أعظم المنكرات والسيئات المبعدة عن الله سبحانه وتعالى.

 

روى البخاري ومسلم رحمهما الله عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: [ قلت: يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله؟! قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله ].

 

ورويا عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين -وكان متكئاً فجلس- فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت ].

 

فاتقوا الله أيها الإخوة المؤمنون، وبروا تبروا، بروا تبروا، وأحسنوا في والديكم يحسن فيكم أولادكم، فالجزاء من جنس العمل، بروا تبروا، وأحسنوا يحسن إليكم، وأطيعوا الله في والديكم يطع الله فيكم أولادكم.

 

ففي الحديث الذي رواه الطبراني عن أبي هريرة بسند حسنه بعض العلماء ورواه غيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ عفوا تعف نساؤكم، وبروا آباءكم تبركم أبناءكم ].

 

فاتقوا الله أيها الإخوة المؤمنون، واعلموا أن أبر البر ما كان في ذوي القربى، وأقرب ذوي القربى الوالدان، إن أبر البر ما كان في ذوي القربى، وأقرب ذوي القربى الوالدان، روى أبو داود وغيره: [ أن رجلاً قال: يا رسول الله من أحق الناس بصحبتي؟! قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك ].

 

فاتقوا الله أيها الإخوة المؤمنون، واعلموا أن من برهما والإحسان إليهما بعد مماتهما، ما جاء في الحديث الذي سئل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رجل: [ يا رسول الله! هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال عليه الصلاة والسلام: الصلاة عليهما -أي الدعاء لهما- والاستغفار لهما -أي: طلب المغفرة- وإنفاذ عهدهما من بعدهما -طبعاً ما كان حقاً وشرعاً- وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإبرار صديقهما من بعدهما ].

 

وقد تأول هذا المعنى ورواه معناه ابن عمر رضي الله تعالى عنه، فقد روى مالك بن دينار قال: كنا مع ابن عمر رضي الله تعالى عنه في مكة، وكان ابن عمر راكباً على حمار له، فلقيه أعرابي، فنزل ابن عمر رضي الله تعالى عنه عن حماره وأركب الأعرابي، وحسر ابن عمر رضي الله تعالى عنه عمامته وأعطاها الأعرابي، فقلنا -أي أصحاب ابن عمر-: يا أبا عبد الرحمن أصلحك الله، إنهم الأعراب يرضون بالقليل، فقال: إن أبا هذا كان وداً لعمر بن الخطاب وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ إن أبر البر أن يبر الرجل أهل ود أبيه ] .

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

 

أقول قولي هذا، وأسأل الله بأسمائه وصفاته أن يغفر لنا لوالدينا، وأن يرحمهما، وأن يكرمهما وأن يجزيهما عنا خير الجزاء، وأنه تعالى حسبي ونعم الوكيل.

 

 

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم نلقاه، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وأشهد نبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى كل من اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.

 

 عباد الله: اتقوا الله، واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، اتقوا يوماً تأتي كل نفس فيه تجادل عن نفسها، وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون.

 

 إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عنهم شذ في النار.

 

عباد الله: اتقوا الله، وأحسنوا يحسن إليكم، بروا تبروا، أصدقوا تصدقوا، اعملوا صالحاً تجدوه في حياتكم وفي مماتكم، اعلموا أن المرء لن يحب إلا بعمله الصالح، لن يقدر إلا ببره ووصله، لن يصدق إلا إذا كان ملتزماً، فالوالي العام مثلاً ومن هو الوالي الخاص، والأب والكبير والصغير إذا كان واصلاً باراً ناصحاً في سره، واصلاً لقرابته، صادقاً في قوله، محكماً لشرع الله في واقعه، محكماً شرع الله في سلوكه، مقيماً راية الجهاد إن كان والياً في سبيل الله، لا في سبيل النعرات القبلية والوطنية وما إلى ذلك، إنه يجزى بعمله بأن يوصل بأن يحب وأن يبر، وبأن تحفظ له عهده، وينفذ له عهده، ويصدق من القلوب، ويدعى له الدعوات التي تشق عنان السماء، إذا كان هكذا ملك القلوب بعمله الصالح، ودعت له في الغيب وفي السر وفي الخشوع الدعوات التي تشق عنان السماء، وتفتح لها الأبواب، الدعوات التي بظهر الغيب وفي السجود وفي القنوت وفي حالة الاستجابة، لا الدعوات التي تقال أمامه ممتلئة بالرياء والسمعة، قد يكون ظاهراً فيها رضاه قبل رضا الله. لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

إذا كان هكذاً باراً واصلاً ناصحاً عاملاً بالمعروف، أياً كان والياً أباً ورئيساً موجهاً صغيراً كبيراً، فسيبر في الدنيا وسيوصل وسينعم في الأخرى، وسيبقى عمله حباً من القلوب، ودعوات بظهر الغيب لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، وإن كان لا سامح الله، فمهما قد لا يبقى ما يريد أن يلقاه من الناس من مشاعر ودعوات ومحبة وولاء ووفاء ووصل وبر وصدق في السر وإخلاص، قد لا يلقاه فمن يرد ذلكم فليطلبه بسببه وليسلك الطرق من أبوابها، يطلبها بأسبابها التي منها قوله تعالى: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ))[مريم:96]، وقوله: (( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا ))[طه:112].

 

فاتقوا الله عباد الله، واعملوا صالحاً تعاملوا بصالح، واصدقوا تصدقوا، وبروا تبروا، وأحسنوا يحسن إليكم، وأطيعوا الله في كل أمر من أموركم، تطاعوا في السر والعلن، وتلحقكم آثار أعمالكم، بعد مماتكم، بعد مئات السنين حسنات تترى تأخذ طريقها إلى ملف أعمالكم.

 

فاتقوا الله وصلوا على رسول الله الذي أمرنا الله أن نصلي عليه بقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ))[الأحزاب:56].

 

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم على الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

اللهم إنا نسألك بكل اسم هو لك، اللهم نسألك ونحن نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، نسألك اللهم أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن تشفي قلوب المؤمنين بنصرة الإسلام وبنصرة أهل الإسلام، وأن تجعلنا مخلصين لك، جنوداً لدعوتك، مبتغين بذلك وجهك، سائرين وفق منهاج نبيك، لك أسلمنا وعليك توكلنا، إلهنا ثبتنا بقولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

 

إلهنا نسألك اللهم أن لا تزيغ قلوبنا، وأن تجمعنا بصالح عبادك من والدينا وصالح المؤمنين في دار كرامتك يا ذا الجلال والإكرام.

 

نستغفرك اللهم ونتوب إليك، ونسألك أن تغفر للمؤمنين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك.

 

(( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ))[البقرة:201].

 

(( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ))[النحل:90].

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1679614 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان