الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   05 كانون الأول , 2016 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
مجالسة الأشرار

=مجالسة الأشرار

 

الحمد لله، الحمد لله مقلب القلوب والأبصار، جاعل الليل خلفة والنهار، أحمده تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمرنا بمصاحبة ومجالسة الأخيار لقوله: (( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ))[الكهف:28]، وحذرنا مجالسة الأشرار بقوله: (( فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ))[الأنعام:68].

 

وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى كل من دعا بدعوته، وصحب خير أمته في زمنه، وسلم تسليماً كثيراً.

 

ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً.

 

عباد الله: اتقوا الله واجتنبوا ما نهاكم الله عنه ورسوله، وإن مما نهى الله عنه ما سمعتموه في الآية من مجالسة الأشرار، الأشرار في اعتقادهم، والأشرار في سلوكهم وتعاملهم، والأشرار في أقوالهم وفعالهم، ذلكم السم النقيع، والداء الفضيع، الساري وباءه وأثره إلى الجليس بسرعة سريان الدم في العروق.

 

ولا غرو أيها الإخوة فإن طبيعة بني الإنسان، إنها تتأثر كثيراً بمن تخالطه، وتتأثر كثيراً بمن تآنسه، بل وقد تكسب من أخلاقه وتقلده، ولذا جاء في الأثر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ]، وفي الحكمة:

 

عن المرء لا تسأل وتلعن قرينه         فكل قرين بالمقارن يقتدي

 

عباد الله: احذروا مجالسة الظالمين، وابتعدوا عمن انغمس في اللهو وانغمس في العصيان، عمن تحكمت فيهم الأهواء وتتلاعب بهم الشيطان، عمن ساءت أخلاقهم وفعالهم وتبلدت أفكارهم، عمن لا يتقيدون في آدابهم وأقوالهم ومجالسهم وأخذهم وإعطائهم بشرع الله، وبآداب ديننا الكريم، إذ ابتعدوا عن مثل هؤلاء، عن مجالسة أمثال هؤلاء.

 

وكفانا مثلاً يجسم لنا خطر جليس السوء، وعظم أثره وسوء عاقبته، ما جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء إلى عمه أبي طالب في مرض موته، وقد احتضر، جاء إليه شفقة عليه صلى الله عليه وسلم، ورغبة في إسلامه، ووفاء بواجب البلاغ للقاصي والداني، صلوات الله وسلامه عليه، وعنده أبو جهل و عبد الله بن أمية فقال له في مرض موته: [ يا عم: قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله ]، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يلقنه الإسلام، وأبو جهل يلقنه الكفر والآثام، إلى أن قضى وهو يقول والعياذ بالله، هو على ملة عبد المطلب.

 

وكفى جليس السوء قبحاً وتشنيعاً، وكفانا نفرة منه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، شبهه بنافخ الكير، إذا جلست حوله، إما أن يحرق جمره ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثا.

 

فاتقوا الله عباد الله: وابتعدوا عن جلساء السوء، جنبوهم أولادكم فإنهم شياطين يصدون عن الصراط المستقيم، احذروا جلساء السوء، فكم بالله من فتيان وفتيات نشئوا أصفياء النفوس، ونبتوا نباتاً حسناً، سرعان ما تحولت أخلاقهم الفاضلة وسلوكهم الطيب، إلى أخلاق سافلة وسلوك سيئ، بسبب مجالستهم لبعض الموبوءين، ورميهم بأنفسهم في أحضان المفتونين والموبوءين، كم وكم، كم رأينا وسمعنا في التاريخ من أناس كانوا على جانب من علم وأدب، فلما جالسوا من قست قلوبهم وتبلدت أفكارهم أنسوا بهم وأصبحوا يضاهونهم، لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

عباد الله.. اللهم إلا من عنس من نفسه بأنه على جانب من علم، وعقيدة، وحصانة، وخالط أولئكم بنية أن ينقلهم من سوءهم إلى ما عنده من حسن، بنية أن يدعوهم إلى الخير، بينة أن يصلح حالهم، فذلكم بهذا الأمر بالنية الحسنة، وبغلبة الظن أن الدخول معهم يأتي بخير ولا يأتي لشر، فذلكم باب من أبواب الدعوة إلى الله، وطريق من طرق البلاغة.

 

أيها المسلمون: إنه مهما بلغ الإنسان من قوة وغنى، وعافية، وسلطة، و.. و..، فلا بد له من جليس ومصاحب، فالإنسان كما يقولون: مدني بالطبع، أي: أنه محتاج إلى من يجالسه ويوانسه، إلى من يشاركه آلامه، إلى من يشاركه همومه، فاختاروا ذوا الجلساء الصالحين، اختاروا ذوي النهى والعقل والتقى، اختاروا الذين إذا رؤوا ذكر الله، اختاروا من حسنت أخلاقهم، وطابت فعالهم، وصلحت حالهم، اختاروا الذين يدلونكم على الخير، الذين يكونون لكم كالمرآة التي تعكس ما قابلها، يعكسون كذلك الخير الناصح، مساوئك فتجتنبها، ويعكس لك محاسنك فتستكثر منها، يذكرك بالله، وباليوم الآخر، ويؤنسك ويذكرك بالقرآن، يذكرك بأمثال الذكرى التي يصف بها الشاعر صديقه بقوله:

 

فقد كان في صدر المجالس بهجة             به تحدق الأبصار والقلب يهرب

 

فطوراً تراه منذراً ومحذرا                   عواقب ما تجني الذنوب وتجلب

 

وطوراً بآلاء الإله مذكراً                   وطوراً إلى دار النعيم يرغب

 

وطوراً بأخبار الرسول وصحبه             وطوراً بآداب تلذ وتعذب

 

هكذا أيها الإخوة الجليس الذي يختار، وكفاه وكفانا محبة له، ورغبة فيه، وسعياً في اختياره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شبهه ببائع المسك إذا جلست عنده، إما أن يحذيك، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة.

 

وقد جاء أن أعرابياً قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إيه يا ابن الخطاب، والله لا تحكم فينا بالعدل ولا تعطينا الجزل، فغضب عمر رضي الله تعالى عنه حتى كاد يوقع به، فقال له الحر بن قيس -وكان أحد القراءة الذين يدنيهم عمر ويشاورهم- يا أمير المؤمنين: إن الله يقول: (( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ))[الأعراف:199]، وإن هذا من الجاهلين، قال: فما جاوزها عمر رضي الله تعالى عنه.

 

هؤلاء الجلساء الذين يأمروننا بالخير، ويذكروننا بالله، ويعلموننا العلم، ويعضوننا، ويواسوننا، وينصحوننا، ويشاركوننا، هم الذين يعض عليهم بالنواجذ، هم الذين يطلبون ويضرب لهم أكباد الإبل، هم الذين ينصح بهم، ويسعى في الجلوس معهم.

 

أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يغفر لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى كل من دعا بدعوته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعملوا أن أقدامكم على النار لا تقوى، وأن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

 

إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عنهم شذ في النار.

 

عباد الله.. أيها المسلمون: لقد ذكرتكم وأعيد الذكرى فيما سبق في الجمعة الفائتة بقول الله: (( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ))[طه:131]، وأذكركم وأكرر الذكرى بأن نأخذ بهذا النهي ونلتزم أمر الله في قوله: (( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ))[الكهف:28].

 

وإن لدينا ثروة زمانية كبيرة، تستحق أن يذكر بها، وأن يوعظ بها، وهي هذه المجالس التي نعمرها كثيراً، ونلتقي فيها، ونجتمع فيها، فهي إما نعمة من نعم الله، نعمة إذا تحقق فيها ذكر الله بمعناه الواسع من تلاوة قرآن أو تعليم علم، أو تذكر نعمة، أو تذكر صرف نقمة، أو غير ذلكم من أمور الخير فهي نعمة، تحف بأهلها ملائكة السماء، جاء في صحيح مسلم رحمه الله: [ ما جلس قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ].

 

وجاء في حديث آخر: [ إن لله ملائكة يطوفون في الطرقات، يلتمسون في الطرقات، فإذا مروا بقوم يذكرون الله تنادوا، -أي: نادى بعض الملائكة بعضاً- هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ]، وفي آخر الحديث: [ ويسألهم الله عن هؤلاء الذين يذكرون الله فيقولون ويستغفرونه، فيقول سبحانه وتعالى: لقد غفرت لهم: وأجبت سؤالهم، وأجرتهم مما استجاروا، فتقول الملائكة: فيهم فلان، امرؤ خطاء إنما مر وجلس، فيقول تبارك وتعالى: قد غفرت له، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ].

 

فهذه المجالس وهذه الثروة الزمانية أيها المؤمنون يجب أن نشغلها في طاعة الله، وأن نبتعد عن أن نحولها نقمة من نقم الله، فقد جاء في الحديث: [ ما قام قوم من مجلس لم يذكروا الله فيه، إلا تفرقوا من على جيفة حمار، وكانت لهم حسرة ]. أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

 

فالمجالس إن كانت تسودها الهزل واللهو والضحك والهمز واللمز، نقم، نقم وأعظم ذلكم إذا كانت مجالس طلبة علم، أو إذا كانت مجالس تستدعي الوقار والسكينة وإظهار الأمر والنهي والعظة.

 

فيا عباد الله: أمامنا نقمة في هذه المجالس إن شغلناها بسوء ونعمة إن أنفقناها وفي صالحنا، فاتقوا الله، اتقوا الله عباد الله، وإذا التقيتم فالتقوا على ذكر الله، لا يعدم أحدنا ولو كان أصغرنا سناً إذا التقينا أو اجتمعنا، أن يطلب منا أن نقرأ في كتاب، أو نقرأ آية، أو يطرح بحثاً، أو أن يطرح عضة لتكون لنا عوناً، ولتكون عامراً بمجالسنا.

 

فاتقوا الله أيها المسلمون: واعلموا أنكم مسئولون، وخاصة ذوي العلم والشأن، خاصة من يطلب منهم أن يكونوا على جانب من وقار وعلم وعظة وتقوى، مطلوب منهم أن يحولوا المجالس إلى حلقات ذكر، وإلى حلقات علم، وإلى مواقف عظة، وأن لا ينزعوا بها عما وجدت له، فتكون عليهم نقمة، ويتفرقوا عنها كالقوم الذين تفرقوا عن مثل جيفة حمار.

 

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء، الأئمة الحنفاء: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب رسولك وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم اعمر مجالسنا بالتقى، والعلم النافع والذكر المشروع، يا ذا الجلال والإكرام، نستغفرك اللهم ونتوب إليك.

 

اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا للذين آمنوا، ربنا إنك رءوف رحيم.

 

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

 

إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، (( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ))[النحل:91].

 

اذكروا الله يذكركم، واشكروا نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1676800 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان