الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   10 كانون الأول , 2016 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
الأخطار التي تواجه الأمة

=الأخطار التي تواجه الأمة

 

.. جزء من خوف المسلم مطلقاً على نفسه، فأي منا كبير أو صغير رجل أو امرأة، طالب علم أو غير طالب علم، وفي دنياه على خطر أيها الإخوة! فالفتن الآن تحتف بنا من كل جانب، فتن الأفكار.. فتن الشهوات.. فتن الأموال.. فتن المناصب.. فتن القبيل.. فتن الطين.. فتن تتوارد على قلب المسلم كثيراً، وفيها خطورة، وقد جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام ذكر: [ أن الرجل يبيت مؤمناً ويصبح كافراً ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا ].

 

فالواجب علينا معشر الإخوة ألا ندلي بأعمالنا مهما كان عندنا من أعمال، وألا نأمن على أنفسنا مهما كان عندنا من حصانة، وأن نخاف الله في السر والعلن ونخاف أن تحبط أعمالنا وأن يجتاحنا النفاق، فقد قال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه)، وقال بعض السلف: (لا يأمن النفاق على نفسه إلا منافق).

 

فالفتن كما تعلمون في هذه الأيام أكثر منها في كل أيام مضت، فإن كانت الفتنة محدودة في قبيل فيما مضى، أو في ناحية من البلدان فيما مضى، أو في أي مجال فيما مضى فإنها اليوم وللأسف بواسطة الترابط بين العالم، وبواسطة أجهزة الإعلام، وبواسطة ما ابتلى الله به عباده من التيسير لهم كل شيء، وعسى ألا يكون هذا استدراجاً، فهو القائل: (( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ *  فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ))[الأنعام:44-45].

 

فعلى المسلم أيها الإخوة أن يخاف على نفسه وأن يحذر، وقد كان عليه الصلاة والسلام مما جاء عنه في الأدعية بعد الصلاة أنه كان يستعيذ بالله من فتنة المحيا ومن فتنة الممات ومن فتنة المسيح الدجال، عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله، ولقد كانت أدعية السلف حافلة وخطبهم ودعواتهم في الخطب أيضاً ما تكاد تفقد الاستعاذة بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، فلئن كانت الفتنة على المرأة في عصرنا الحاضر أسرع فهي إلى طالب العلم كذلكم قد تكون أسرع، فطالب العلم إن افتتن افتتن به الكثير من الناس والعياذ بالله، وقد روي: [ إنما أخاف على أمتي زلة عالم ] ولئن كانت الفتنة إليه سريعة فهي إلى القضاة أسرع؛ لأن الافتتان في مجال تحقيق العدل يفسد في الأرض، بدلاً من أن تعمر بالعدل تعمر والعياذ بالله بالحيف والجور ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولئن كان إلى المرأة أسرع فهو إلى أصحاب الأموال أسرع؛ لأن أموالهم قد تمكنهم من أشياء فيها فتنة من التعامل بالربا.. في الأسفار.. في التأمين.. في غير ذلكم، فالكل في خطر وإبليس من وراء الجميع ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا يغفل ولا ينام، الله ابتلانا به، ابتلانا بالشيطان ليفتننا أو ليردنا عن ديننا وليصرفنا، والنفوس كذلكم كثيراً ما تبتلينا والأهواء تبتلينا والدنيا تبتلينا، وقد قال بعض الأدباء:

 

إني بليت بأربع ما سلطوا        إلا لعظم بليتي وعنائي

 

إبليس والدنيا ونفسي والهوى     كيف الخلاص وكلهم أعدائي

 

فهذه الفتن المحيطة بنا قبل أن نخرج منها إلى القول في فتنة المرأة علينا جميعاً ألا نهمل أمرنا، وألا نأمن على أنفسنا، وألا نقول: نحن محصنون، تعلمنا.. قرأنا.. عملنا.. شبنا.. كبرنا.. استمرينا على هذا الخير.. لا، الإنسان يحذر ويستعيذ بالله من الفتن، وإذا عرضت له فتنة فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وليعرف أنه على خطر ما دام على قيد الحياة، هو على خطر عظيم من أن تجتاحه شياطين الإنس وشياطين الجن، من أن تجتاحه فتنة المال، المال الذي أودى بالكثير من الناس اليوم في الهلاك ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

تجد صاحب المال ذا لحية صائم مصل، وتجده عضو في بنك يتعامل بالربا، يتعامل بالتأمين المحرم، يرابي.. يعمل ويعمل.. فإن أحسن في ذلكم فلقد أساء، وتلك فتنة قد تطغى وتصده عن صلاته وعن استقامته، تجد مثلاً من يتساهل في ميدان العدل، يتساهل في أمر بسيط صغير فتكون تلك الفعلة نقطة سوداء ينبني عليها نقطة سوداء أخرى سوداء تكون راناً على قلبه ولا حول ولا قوة إلا بالله، وفي هذا قوله جل وعلا: (( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ))[المطففين:14]، قال العلماء: وفيه حديث: [ إنها الخطيئة بعد الخطيئة ] السيئة تتلو السيئة فتتراكم فتصبح راناً سداً على قلب الإنسان لا يبصر الحق حقاً ولا الباطل باطلاً، وفي هذا المعنى قوله جل وعلا: (( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ  ))[الصف:5].

 

فالإنسان لا يتساهل بأي أمر ولا يغتر بنفسه مهما كان عمله، وإنما يجب عليه أن يستقيم ويعمل وكأنه سيفارق الدنيا في لحظته، إن كان صاحب مال فليخلص نفسه وليتعامل وليهيئ نفسه أنه على عتبة المسجد عثر وانتقل إلى الله، إن كان صاحب عدل إن كان صاحب علم إن كان صاحب أموال إن كان أي شخص، فالمسلم الله سبحانه وتعالى وعده الخير الكثير، والله لا يعد الخير الكثير إلا لمن التزم واستقام على أمر الله، الله جل وعلا يقول: (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ))[فصلت:30] هذا كلام ربنا، كلام رب العالمين، كلام من يعرف أثر الاستقامة ويعرف فضلها على الناس في دنياهم وفي أخراهم، (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ))[فصلت:30] اعترفوا بالربوبية حقاً اعترافاً يسد المعترف بالرب جل وعلا فلا يخضع لغيره ولا يطأطئ رأسه ولا ينحني، ولا يرق، ولا يخاف الخوف الذي لا يملك أثره إلا الله، ولا يرجو ولا يتعنت ولا يطمع في شفاء ولا في إحياء ولا في إماتة ولا في توسعة رزق وكثرة عطاء وكثرة مال وكثرة أعطيات.. وكثرة.. وكثرة.. إلا منه سبحانه وتعالى.

 

نبي الله إبراهيم أبو الأنبياء الذي قال عنه: (( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ))[الشعراء:79-80] متعلق بربه، فيم يتعلق بالربوبية والألوهية، لكن هذا جانب منها بعضها مترابط لبعض، فالإنسان إذا قال: ربنا الله، فلتظهر آثار الربوبية بالتعلق بالمربوب، لا تراه يقول: ربنا الله، ويتخذ رباً من الملائكة يعبدهم أو من أهل القبور، يطلب منهم أو من أهل الأموال يطأطئ لهم رأسه فيما لا تجوز الطأطأة فيه، ويخضع لهم وينحني لهم من أجل أموال، فذلك شرك أو على الأقل طعن يختلف باختلاف مقامه في نفس الإنسان في التوحيد: (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ))[فصلت:30] ما قالوها بألسنتهم، ولكن وقرت في قلوبهم أولاً ثم جرت على ألسنتهم ثانياً، ثم تبلورت في ارتباطهم بربهم سبحانه وتعالى ثالثاً.

 

ربنا الله لا يتعلقون بغيره، في ضر.. في نفع.. في أي أمر.. وذلك لأنهم لا يعبدون غيره، لا يعبدون إلا هو، فيعبدونه تعبداً وتألهاً يسدهم به، في الضراء والسراء وفي كل ما هو من حقه جل وعلا، (( ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ))[فصلت:30] هذا نتيجة الاستقامة، استقاموا على ماذا؟ استقام وأمواله تشتغل فيما يضر الإسلام والمسلمين وفيما يعود على نفسه، استقام وأمره في لوع الحكم يضر الإسلام والمسلمين، استقام لسانه ولم يستقم فرجه، استقام فرجه ولم يستقم لسانه، استقامت يده ولم تستقم رجله! لا، استقام قلباً وقالباً، استقام في الاعتقاد أولاً فلا شكوك ولا ريب ولا طعن فيما يتعلق بما أخبر الله به، استقام في اعتقاده، تجده يعبد ربه وكأنه يرى الله سبحانه وتعالى، يقول عليه الصلاة والسلام في تعريف الإحسان: [ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ] إذا عبدت ربك فتصور أنك بين يديه، وأن رقابته وهيمنته مسيطرة عليك، وأنه يراك جل وعلا لا تغيب عنه أبداً، (( لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ ))[سبأ:3].

 

فهذه الاستقامة تتعلق بالقلب، إذا أخبرت بشيء عن الله عن خلق الله عن سنن الكون عن أمور الآخرة عن أمور الحساب عن أمور المغيبات.. تكون مؤمناً بذلك ومرتبطاً بمن أوجدها ومصدقاً لها، ولذا تجدون أبرز صفات في صفات للمؤمنين لما قسم الله الناس في أول سورة البقرة إلى ثلاثة أقسام ابتدأ منهم بالمؤمنين الخلص المستقيمين، لا المؤمنين اسماً، ولا المؤمنين بالجنسية، ولا المؤمنين ناقصي الدين، قال تعالى: (( الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ))[البقرة:1-2] أول صفة ما هي؟ (( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ))[البقرة:3] يسلمون لأمر الله ويؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره، وبكل ما أخبر الله به، كل ما أخبر به رسوله من أمور الآخرة، يؤمنون بوقوع أو بحصول ما أخبروا به فيما مضى، ويؤمنون بأنه ستقع ما أخبروا به مما سيقع، ويعملون وفق ذلك، لا يؤمن بالحساب وهو ما جهز نفسه للحساب، فهذا نقص في الإيمان، لا يؤمن بالأمور الأخرى وهو لا يطبقها في عمله، ولكن يؤمن بها حقاً ويعمل بها، يستقيم بالقلب، يستقيم باللسان فلا يقول إلا حقاً، يستقيم بالأفعال فلا يعمل إلا ما شرعه الله جل وعلا وعلى لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

 

ولذا الاستقامة تتطلب أمور ثلاثة: استقامة القلب، استقامة العمل، استقامة اللسان، بحيث تشكل وحدة مترابطة متكاملة بين القلب واللسان والعمل، فلا تعتقد بقلبك شيء وتنطق بلسانك بخلافه، لا تنطق بلسانك ولا تعتقد بقلبك، إن اعتقدت بقلبك ولم تنطق فذلك إيمان إبليس وفرعون وأتباعه ممن عرفوا بقلوبهم ولم يلفظوا بألسنتهم ولم ينقادوا بجوارحهم، إن قلت قولاً جرى على لسانك ولم تعتقده بقلبك فذلك إيمان المنافقين نفاقاً اعتقادياً، النفاق الاعتقادي لا العملي، الاعتقادي الذي أهله في الدرك الأسفل من النار، كما أخبر الله سبحانه وتعالى بذلكم في كتابه الكريم، فمن عرف بقلبه ولم ينطق فإيمانه إيمان إبليس وفرعون وأمثالهم وإيمان أبي طالب، ومن قال بلسانه قولاً مما أمر الله به وهو ما اعتقده بقلبه فإيمانه إيمان عبد الله بن أبي وأمثاله ممن هم في الدرك الأسفل من النار، خالدين مخلدين، أمن توقف، آمن بقلبه ونطق بلسانه وعمل، فهذا هو الإيمان الحق المطلوب، هو إيمان الذين قال الله فيهم: (( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ))[فصلت:30] تتنزل عليهم تنزل عام، يقول بعض المفسرين: عند الاحتضار، واللفظ أعم من ذلكم، (( أَلَّا تَخَافُوا ))[فصلت:30] لا تخافوا مما أمامكم، هناك أمن روح وريحان وأمان، (( أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا ))[فصلت:30] على ما تركتم من مال.. من زوجات.. من ولد.. الأمر خير لكم من ذلكم (( أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ))[فصلت:30].

 

فهذا الأمر أيها الإخوة يتطلب منا الاستقامة على شرع الله، وأن نخاف على أنفسنا خوفاً يدعونا إلى أن نترك المحارم، وأن نرجو الله رجاء يدعونا إلى أن نفعل المأمورات، وأن نقول بألسنتنا ما يطابق ما في قلوبنا، وألا نخشى في الله لومة لائم.

 

وأعود فأقول: إذا كان الخوف علينا في هذه الدنيا أشد، فأنتم تعرفون ما يحيط بكم اليوم من مغريات، تفتح بصرك فيقع على منكر، تفتح أذنك فتسمع المنكر، تختلط بالناس فتسمع المنكر، تطاردنا الفتن مطاردة في البيوت بوسائل الإعلام، وفي الشوارع بتسكع النساء والأشكال التي لا تعطي المظهر الإسلامي، وفي الأوراق بالمعاملات التي فيها السوء، وفي.. وفي.. وفي، كل هذه تقول للمسلم: خف على نفسك، واحذر مما وقع فيه هؤلاء، واستقم على شرع الله، ومع استقامتك ينبغي لك أن تكون خائفاً من الفتن، خوفاً يدفعك إلى أن تحتاط لها وألا تعمل أسبابها، وأن تجعل بينك وبينها وقاية تقيك من عذاب الله.

 

فالأمر أيها الإخوة في هذا الجانب عظيم، ليس للمرأة وحدها، المرأة إن كانت معرضة للفتن لأنها لقمة سائغة، ولأنها مطلوبة من الرجال، ولأنها فتنة، ولأنها كما قال المصطفى عليه الصلاة والسلام: [ ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ] فتنة، هي تفتتن وهي تفتن، ولذا جاء في النصوص بأن تكون ملتزمة لا تعرض نفسها لفتنة، بمعنى: لا تخلو برجل، فقد جاء في الحديث: [ ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ] وقال: [ لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعهما ذو محرم ] فلا تنطق بما يجر لها السوء في اللين في القول والخضوع، ولا تخرج متعطرة، ولا تلتقي بالرجال الأجانب، ولا تتعرض بأزيائها للفتن بالملابس، بأزيائها في المشية، بأزيائها في تنظيم نفسها أمام من لا يجوز أن تظهر أمامه، في مثل هذه الأمور، والخير لها أن تلزم بيتها إلا فيما أبيح لها الخروج فيه، فالله قال جل وعلا لنساء نبيه: (( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ))[الأحزاب:33] معروف تبرج الجاهلية، تسكع.. تفسخ.. خلوة.. سفور.. كشف.. ابتلاء.. امتحان.. وهذا نهانا الله سبحانه وتعالى عنه، ونهى نساء نبيه، والبقية من نساء المؤمنين بالتبع، فالتشريع عام.

 

فعلينا أن نحذر وأن نجنب بناتنا ما يعرضهن للفتنة، لا تترك بنتك تخرج مع غير محرم، لا تتركها تجلس مع فاسدات أو مفسدات، لا تترك بيتك يدخل فيه من لا يجوز دخوله، لا تأمن على نفسك، لا تأمن على ولدك، فالله سبحانه وتعالى وضع لنا الطريق ووضع لنا ما يحمي أنسابنا ويحفظها ويحمي أعراضنا أيضاً، فقد أوجب القتل على الزاني المحصن وأوجب الجلد والتغريب على من لم يكن محصن، لماذا؟ لنحفظ أنسابنا، فلنستعن بالله ولنصون ما أمرنا الله أن نصونه، والحكمة من ذلك لحفظ الأنساب ألا تختلط، وليكون المسلمون مترابطين في تسلسلهم وأنسابهم، وألا يدخل عليهم شيء، أمر كذلك نفسه بجلد ثمانين جلدة لمن قذف مسلماً، لمن قال: يا زان، لمن قال: يا كذا.. والغرض من ذلكم والله أعلم: هو حماية أعراض المسلمين لئلا تلوث، فإذا كان الله دعانا لحفظ أنسابنا ولحفظ أعراضنا وأقام على المرأة قوامين يصونونها لأنها مغزوة ولأنها معرضة للفتن، (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ))[النساء:34].

 

فالأولى بنا أن نستعين بالله وأن نحذو في أقوالنا وأعمالنا وفق شرعنا، ومع ذلكم نحذر من الفتن ونحذر من الوقوع فيها، ونستعين بالله مع ذلكم من الشياطين، والاستعانة تستدعي أن تحذر أن تخالطهم، شياطين الإنس الذين يفسدون عليك بيتك ويفسدون عليك ولدك ويفسدون عليك زوجك، لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

أعود فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، وبالاستقامة على شرع الله، وبأن نعد أنفسنا إعداداً وكأننا نخرج من المسجد إلى المقبرة، نحاسب أنفسنا حساباً يجعلنا مهيئين لها، إذا لقينا الله نكون مسلمين كما أمرنا (( وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ))[آل عمران:102] ما معنى هذا الكلام الذي نقرؤه؟ نقرؤه ويكرره كثير من الخطباء في خطبهم (( وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ))[آل عمران:102] الله اصطفاكم وارتضى لكم الإسلام ديناً، أوصانا بأن نلتزم، خبر الموت وعلم الموت معه سبحانه وتعالى (( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ  ))[لقمان:34].

 

وما دام علم الموت عنده فالواجب أن تلتزم دينك وكأنك تلقى الله في تلك اللحظة، حتى إذا عاينت أمارات الموت تقول عند ذلكم: مرحباً بلقاء ربي، ما تخاف مما أمامك ولا تحزن، وليس معناه أنك تدلي بعملك، لا، ولكنك ترجو من عملت له، ترجوه وقد قدمت لديه ما يشفع لك وأنت في حالة تستدعي الرجاء أكثر من الخوف إذا تلت حالة معاينة الموت، فالمؤمن يهيئ نفسه ويطيع الله في قوله: (( وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ))[آل عمران:102].

 

وإن كررت ما دمنا آمنا بالله وعلمنا أن الموت حق، وأنه لا يدري الإنسان في أي لحظة يأتيه، وأننا نطمع أن نكون مسلمين حقاً وأن ترفع أعمالنا ودرجاتنا عند الله، فلنهيئ أنفسنا تهيئة تجعلنا ما نأسف على ما خلفنا ولا نخاف مما أمامنا، ننتقل من حسن إلى أحسن، ومن طيب إلى أطيب، ونكون من الذين قال الله فيهم: (( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ))[النحل:97].

 

وفي الختام وقد تكلمت في الفتن ونصحت بأن الإنسان يحذرها عموماً، فلسائل أن يقول إذاً: ما المخرج من هذه؟ الخلاصة والمخرج من الفتن.. وما السبيل إلى صيانة الإنسان؟

 

الصيانة أيها الإخوة جاءت في قول الله سبحانه وتعالى: (( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ))[طه:123] هذا الكلام أنزله الله وأخبر أنه خاطب به الأب آدم عليه الصلاة والسلام، أنزله على أول خلافة أو ملك أو قيادة أو إمامة قامت على وجه الأرض، وأنزله على آخر رسالة وهي رسالة محمد عليه الصلاة والسلام ليربط أول الأمة بآخرها، وليربط آخرها بأولها، فالمخرج في قوله جل وعلا: (( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ))[طه:123] والهدى هو هذا القرآن (( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ))[طه:123-126].

 

قال ابن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، الذي دعا له الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يفقه في الدين ويعلم التأويل.. قال في تفسيرها: (تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة)، فلنقل لمن يسعون اليوم وفي عهدنا مما يسمونه بالتأمين على الحياة، التأمين على الصحة، التأمين على الأموال، التأمين على.. والتأمين على.. وينادون به ويفتحون له الشركات، وفيه ما فيه من أشياء تجعله محرماً، لنقل لهم: أمنوا عند من بيده ملكوت السموات والأرض، أمنوا عند من إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون، أمنوا عند من يملك السنن الكونية التي كثيراً ما تأتي على خلاف ما يتوقع بني الإنسان، السنن الكونية التي كثيراً ما يجريها سبحانه وتعالى على خلاف ما يتوقعه بني الإنسان من خسف.. من غرق.. من رياح.. من أمور أخرى لا يدري الإنسان عنها شيء إلا بعد وقوعها، ولا يعرف عن أسبابها شيء إلا بعد بدئها.

 

فلنقل: أمنوا عند هذا الذي يقول: (( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ ))[طه:123] لا يضل في دنياه.. في معاملته.. في حكمه إن كان حاكما.. في قوله عندما ينطق، (( فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى ))[طه:123] وإن ابتلي ظاهراً في بعض الأحيان فقد يكون ابتلاه لرفعة درجاته أو لأمر يأتي بعد، فكم ابتلي من الناس ورثى لهم من رثى لهم، وأصبح ابتلاؤهم نعمة عليهم، وأصبح ابتلاؤهم له أثر كبير في دعوتهم وفي تعلق الناس بكتبهم وبأفكارهم وبطريقتهم، قال تعالى: (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ))[طه:124] لا تظنوا أصحاب الأموال أو أصحاب المناصب أنهم في خير إذا أعرضوا عن الله، أبداً، معيشة ضنك، عنده ما عنده وتجد صدره ضيقاً، عنده ألف حارس ويحتاج إلى مائة ألف حارس، عنده ألف مليون ويحتاج إلى مائة ألف مليون، عنده زوجة ويطلب من الفساد ما الله به عليم، معيشة ضنك، قال: (( وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ))[طه:124].

 

فلا تغبطوا أيها الإخوة إلا أهل الخير المنشرحة صدورهم لأمر الله ولدين الله، الذين إذا رءوا ذكر الله.

 

أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه تعالى جواد كريم.

 

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد.

 

 

الحمد لله. وبعد هذه المحاضرة التي نرجو من الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها وأن تكون حج

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1680916 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان