الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   08 كانون الأول , 2016 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
تفاوت آثار الأعمال بتفاوت الأحوال

=تفاوت آثار الأعمال بتفاوت الأحوال

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

 

وبعد:

 

أيها الإخوة في الله: يشرفني أن ألتقي بكم في هذه الأمسية، التي أرجو الله سبحانه وتعالى أن يفيض علينا فيها من جوده وكرمه، وأن يجعل اجتماعنا فيها اجتماعاً مرحوماً محفوفاً بالرَّوح، محفوفاً بالملائكة، تتنزل عليه ملائكة الله.

 

وقبيل البدء أشكر للمركز دعوته لي، وثقته وثقتكم بي، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يجزيكم على ذلك خيراً.

 

الموضوع كما سمعتم، تفاوت آثار الأعمال بتفاوت الأحوال، وكان بودي لكن أخذ في وقت ضيق أن يكون نماذج، وأرجو أن تأتي النماذج، نماذج من تفاوت آثار الأعمال بتفاوت الأحوال، وهذا الموضوع كما تعلمون موضوع ذو شعب، فالحديث عنه يقتضي الحديث عن فضل الأزمنة كشهر رمضان وعشر ذي الحجة مثلاً، ويقتضي الحديث عن فضل الأمكنة والعمل فيها، أقصد فضل العمل في الأزمنة وفضل العمل في الأمكنة، كالمسجد الحرام وكمسجد النبي صلى الله عليه وسلم  وكالمسجد الأقصى، ويقتضي كذلك فضل بيان من يصدر منه ذلك العمل، لأن العمل أثره يتفاوت بتفاوت من يصدر منه، فالحديث يقتضي التنويه عن مثل هذه الأشياء، بل ويقتضي التنويه عما يذكره العلماء رحمهم الله تعالى أخذاً من الكتاب والسنة، من التمسك بالسنة عند فساد الناس وفي هذا نصوص، وفضل العمل في الغربة، أي غربة الدين كما هو معروف، فضل العمل في الهرج أي: عند ظهور الفتن والمعاصي، فضل العمل عند اشتداد الأزمات وعند اشتداد المضايقات، الموضوع يقتضي أن ينوه عن هذه كلها.

 

ولا شك أن جهدي محدود والوقت محدود، وسأتكلم بما يتيسر موعظة وذكرى لا تعليماً، سأتلكم بما يتيسر في هذا الموضوع، وأرجو الله وأسأله بأسمائه الحسنى أن يهديني إلى الطيب من القول، وأن يهديكم إلى حسن الاستماع، وأن ينفعنا جميعاً بما علمنا، إنه تعالى حسبنا ونعم الوكيل.

 

أيها الإخوة في الله: من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لعبادته، ووعدنا عليها عزة الدنيا ونعيم الآخرة، وفي هذا من الآيات والأحاديث ما هو معروف لديكم، وأخبرنا ووعدنا تعالى بأن قيمنا في هذه الحياة، وتأهلنا للإمامة في هذه الدنيا، بل وبالمنازل العالية في الأخرى أنه يتفاوت بتفاوت مقاصدنا وتفاوت أحوالنا، بل وتفاوت أحجام الأعمال التي تصدر منا، بتفاوت المقاصد بتفاوت الأحوال بتفاوت أحجام وأهمية الأعمال التي تصدر منا.

 

ولا شك أيها الإخوة: أن من يعمل في المضايقات، لا شك أن من يصوم في الهواجر مثلاً في مثل هذا الوقت، ويغض النواظر إذا أطلقها الناس، ينفق في المثاغب إذا ظن الناس بالمال، يقول كلمة الحق عند السلطان الجائر إذا سكت عنها الناس، لا شك أن من ينفق في المثاغب يصوم في الهواجر يغض النواظر يقول كلمة الحق عند السلطان الجائر، ونحو ذلكم، من يزكوا يعمل هذه الأشياء.. لا شك أن يعملها مع وجود البديل من المال، أو وجود النصير والظهير ممن يحمي الظهر، ليس كمن يعمل هذه الأشياء ينفق مالاً ولا بديل من المال، يقول ولا ظهير ولا نصير إلا الله، ليس هذا كهذا أبداً، فالبون مختلف وأثر الأعمال يتفاوت، وذلكم مقتضى الحكمة ومقتضى العدل الرباني بلا شك، مقتضى الحكمة ومقتضى العدل الرباني أن الأعمال تتفاوت بتفاوت أحوالها وأزمنتها وظروفها وما إلى ذلك، وإذا قلت الأعمال فأقصد آثارها وأجورها وما يترتب عليها.

 

وحسبنا أن نذكر في هذا قول الله سبحانه وتعالى: (( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ))[الحديد:10]، لا يستوي المؤمنون المهاجرون الأوائل، والمقاتلون كمن آمن وأسلم وقاتل بعد الفتح ولم يبق أمامه مجال، (( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ))[الحديد:10].

 

ويقول سبحانه وتعالى: (( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً ))[النساء:95-96] الآية، ويقول: (( لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ))[التوبة:117].

 

ويقول نبيه عليه الصلاة والسلام: [المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير]، ويقول عليه الصلاة والسلام: [المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم].

 

ومن هنا يعلم أن العمل كلما كان ذا نفع متعد وشمول واستمرار أن جزاءه أعظم وأكثر من أي عمل آخر، وأنه كلما كان شاقاً مظنياً ثقيلاً على غير الخاشعين، أن جزاءه أعظم وأكمل، وإن المؤمن المتتبع لنصوص القرآن والسنة، إن المؤمن طالب العلم المتتبع لنصوص القرآن والسنة لا يجد أنها رغبت أهلها، رغبتهم في الأعمال الصالحة بوجه عام، في أي زمان أو في أي مكان أو على أي حال، رغبتهم بالأعمال الصالحة عموماً بقول الله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ))[الحج:77]، وقوله جل شأنه: (( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ))[العصر:1-3].

 

كما أمرتهم بوجه خاص بالأعمال الصالحة عند الشدائد عند الأزمات، ولنأخذ البال فإن هذا هو بيت القصيد، وهو موضوع الكلمة، أقصد النقطة الآتية.

 

أمرتهم ودعتهم بالأعمال الصالحة وانتهاز فرصها عند الشدائد عند الأزمات، وعند المضايقات، مضايقات زمان بحره أو قره، أو مضايقات وطن بضيق صدور أهله، أو مضايقات مال على حين حبه وحاجته إليه، أو مضايقات سلطان وتسلطه، لا حول ولا قوة إلا بالله، أو غير ذلكم من المضايقات، فلقد دعت أهلها إلى الأعمال في مثل هذه الأحوال، وبينت لهم آثارها بياناً يعرف ويعلم من كتاب الله ومن سنة رسوله.

 

ومعلوم أنه كلما عظم الثمن الذي يقدم عظم المثمن الذي يتقاضى، كلما عظم الثمن الذي يقدم وكثر عظم المثمن الذي يتقاضى بدله، فالشهيد مثلاً، خذوا الشهيد مثلاً قدم روحه الغالية لديه، قدمها ثمناً عوضه الله تعالى بها مالاً، قدم حياته الدنيوية المحدودة القصيرة، قدمها ثمناً فعوضه الله مثمناً أغلى وأعز عوضه الله حياة أدوم وأكرم وأبقى، قال تعالى: (( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ))[آل عمران:169].

 

فكلما عظم الأمر كلما اشتد كلما كان الكسب أعظم وأكمل وأكبر أجراً عند الله سبحانه وتعالى، خذوا مثلاً قول الله: (( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ))[البلد:11-16] فسوى تعالى بين إعتاق الرقبة وبين إطعام يتيم ذي متربة، وجبة واحدة ليتيم ذي متربة، طبعاً سبق ذلك أنها في مسغبة، تعادل فك رقبة، وجبة واحدة في مسغبة لمسكين لاصق بالتراب من شدة الحاجة تعادل فك رقبة لحالها ولضرورته إليها، (( فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ))[البلد:11-16].

 

فاختلاف الأحوال واختلاف المقامات واختلاف الظروف يجعل العمل الصالح الذي يعمل فيها بمكان أرفع منه فيما لو عمل في غيرها في حال أو زمان أو مكان، في هذا من السنة قوله عليه الصلاة والسلام: [حفت الجنة بالمكاره] بتقديم النفس والنفيس، بتقديم المال على حبه، بمفارقة الأوطان في سبيل الله ولاءً، [حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات] وقوله عليه الصلاة والسلام لما سئل: [أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر].

 

والنصوص في هذا عديدة وكثيرة، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: [إذا رأيت شحاً مطاعاً] أقصد في مجالي بياني آثار الأعمال واختلافها باختلاف أحوالها أو أزمنتها أو أمكنتها، أو باختلاف من تصدر منهم، يقول عليه الصلاة والسلام: [إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيها كالقبض على الجمر، للعامل فيها مثل أجر خمسين رجلاً يعمل مثل عمله، قالوا: يا رسول الله! منا أو منهم؟ قال: بل منكم] والذي رفع هذا العمد وجعله يساوي ما ذكر عليه الصلاة أنه مساوي حال التي عبد فيها، ويقول عليه الصلاة: [بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء] ويقول عليه الصلاة والسلام: [العبادة في الهرج كهجرة إليّ] والنصوص في هذا عديدة وكثيرة، كثيرة جداً، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: [ثلاثة يحبهم الله –ذكر اثنين منهم وقال في الثالث:- ورجل كان في سفر مع ركب فلما سهروا وتعبوا قام من السحر في ضراء وسراء] قام من السحر في ضرار بعد طول السرا والتعب والحاجة للنوم ونوم من معه، يبقى يدعوا ربه في ضراء أو سراء، ففي مثل هذه الحال يعظم الأجر فيها ويتضاعف العمل فيها.

 

فخلاصة ما مر أن الأعمال تتفاوت بتفاوت الأزمنة، كما أشرت مجملاً وبتفاوت الأمكنة التي تعمل عليها، وبتفاوت الأحوال التي تعمل فيها، وبتفاوت من تصدر منه، ولذا يقول عليه الصلاة والسلام: [أسلم فإن عليك اسم الأريسيين] فإذا صدرت من عالم من قائد من أب من رئيس ذي خير اقتدي به وعظم أجره وكثر وتضاعفت ثوابه وبقي ذكره واستمر عليه عمله.

 

وكما أن الأعمال -وإن كررت- يختلف أجرها أو آثار أعمالها، وتتضاعف باختلاف الأزمنة التي تعمل فيها، أو باختلاف الأمكنة التي تعمل فيها، أو باختلاف الأحوال التي تعمل فيها، أو باختلاف من تصدر منهم من الناس سواء كانوا قدوة في الخير –وأرجو- أو في غير ذلكم ونعوذ بالله، كما تكونوا كذلكم فإنها أيضاً يعظم اسمها، ويتضاعف شرها، ويستمر بقاؤها العظيم على صاحبها، إذا عملت في تلكم الأزمنة فكما أن العمل يتضاعف في الزمان الفاضل فإنه بالمفهوم تعظم الآثام في ذلكم الزمان الفاضل، إذا عملت على مكان فاضل معظم فإنه بالمفهوم تعظم آثام ذلك العمل إذا عمل على بقعة معظمة، وكذلك في الحال إذا كانت الحال تقتضي الرحمة وتقتضي الأمانة وتقتضي العطف وتقتضي المواساة وعوكست بأمر من الأمور اشتد إثمها وعظم خبرها وبلاؤها، وفي هذا فيما يتعلق بالأمكنة قوله جل وعلا: (( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ))[الحج:25] في المكان، وقوله في الزمان: (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ))[البقرة:217] في الشهر الحرام، وقوله في حال من تصدر منهم: (( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ))[الأحزاب:30] ضعفين، فكما أن الأعمال يختلف يتضاعف أجورها في مثل ما ذكرت، وتبقى آثارها ويتعدى نفعها، فإن من عاكس هذه الأمور وعظموا عليه الأمر في مكان أو زمان أو حال، يعظم عليه، وقد جاء في الحديث الصحيح: [ حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم ]، ما من رجل من القاعدين يخلف رجلاً من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم إلا وقف له يأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى، ثم التفت رسول الله –يقوله الراوي- ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: [ ما تظنون ] أي: هل سيترك من حسناته شيء في مثل ذلكم الموقف، وفي مثل تلكم الحال المرتبطة بالحاجة، طبعاً لا، يقول: [ فما ظنكم حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم ]، ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: [ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ أن تزني بحليلة جارك ] فخيانة الجار وخيانة الأمانة وخيانة الزنا تضاعفت وارتكبت، فكما أن الأعمال أيها الإخوة ولو أطلت ولو كررت يتضاعف أجورها وثوابها إذا عملت في مثل تلكم الأحوال، فإنها تتضاعف آثامها وعقابها وما يترتب عليها إذا عوكست بمثل هذه الأشياء.

 

فيا إخوتي في الله، هذه تقدمة أريد منها أن أنبه ثم أنبه نفسي بأننا اليوم في غربة نعم في غربة، في قلة من مصير إذا قلنا الكلمة صريحة، في قلة من العوين، إننا في غربة أيها الإخوة، فانتهزوا العمل في الغربة، انتهزوا العمل لدينكم فإن أجوركم تضاعف، فيا من يحس بمضايقة من والٍ أو من والدٍ أو من أخ أو زمان أو من مكان أو من حاجة لمال اتق الله واعلم أنك إذا تلقيت هذه الأمور برضى وبطواعية وعملت فيها كما عمل المهاجرون الأولون، كما عمل السابقون الأولون، عملت فيها أن أجرك يختلف عن أجر أي شخص آخر، فإن زمانكم اليوم مليء كما تعلمون بالشبهات والشهوات والمغريات، بل والتسلطات من الأدنين، وإنها لفرصة، فليس كما أسلفت من يعمل وهو محمي أو من ينفق المال القليل ويبقي الكثير، أو من يعمل عملاً ما، ليس كمن يبذل المال مع قلة المال، أو يبذل الجهد مع قلة الجهد، أو يصبر مع قلة الصابرين، في الحديث قال عليه الصلاة والسلام: [ سبق درهم مائة ألف درهم، قالوا: يا رسول الله وكيف ذلك؟! قال: رجل عنده مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم وتصدق بها، ورجل عنده درهمان تصدق بأحدهما ].

 

ولذا فإنني أهيب بإخوتي وبشباب المسلمين بأن لا يتضايقوا مما أمامهم، وليعلموا أنها فرصة لهم، فكلما اشتد الأمر كلما عظم الأجر، كلما ضاقت اتسعت كما يقول العلماء، كلما قد يكون أجرك وجودك في مثل المضايقات، وفي مثل المحرجات، ومع الشبهات، ومع الفاتنات، ومع وجودك بين هذه الأشياء، خير لك إذا الله سبحانه وتعالى سلك من هذا الأمور كما تسل الشعرة من العجين، إنها لفرصة هي ابتلاء وامتحان، ولكنها فرصة للعمل فرصة، قالوا: يا رسول الله، منا أو منهم؟ قال: بل منهم، وقال: [ العبادة في الهرج كهجرة إلي ] وتلوت الحديث، بمعنى ظهور الفتن والشبهات والمعاصي، وقال: [ فطوبى للغرباء ].

 

فليأنس المسلم إذا وجد بين هذه الأمور ولا يستوحش، وليصبر إذا ابتلي، وليعلم أنها لن تنال الولاية أو الإمامة في الدين أبداً، إلا بأمرين، الصبر واليقين، اللذان ذكرا في قوله سبحانه وتعالى: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ))[السجدة:24].

 

وأختم كليمتي بالتذكير بآية وحديث في الموضوع عرضاً، أما الآية فقول الله سبحانه وتعالى عن سحرة فرعون لما ناظروا موسى تلك المناظرة وأسلموا قالوا مخاطبين ربهم: (( إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ))[الشعراء:51] احتسبوا أعظم أجر لهم أن أعلنوا الإيمان في وقت لا يعلن فيه، وأن قالوا كلمة الحق في وقت لا تقال فيه، أعلنوها أمام طاغية.

 

وحديث يبين فضل العمل في الحال وهو المعروف لديكم ما قاله عليه الصلاة والسلام: [ بينما كلب يطيف بركية -أي: بئر- قد كاد أن يقتله العطش إذ بغي من بغايا بني إسرائيل نزعت نوقها –أي: خفها- فاستقت له فسقته، فغفر الله تعالى لها ] العمل وإن قل في حالة ضيقة يكون له ما له من الآثار.

 

فلننتهز الفرص، ولنتق الله، ولنعلم أننا في محنة، يجب أن نبذل جهدنا للخروج منها بخير.

 

أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يثبتني وإياكم، وأن يجعلنا مباركين أينما كنا.

 

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد.

 

شكر الله لفضيلة الشيخ على ما قدم ووضح حول هذا الموضوع، وقد وردتنا مجموعة من الأسئلة، وبعض هذه الأسئلة قد يكون خارج الموضوع، وبعضها قد يكون قد وضحه الشيخ في محاضرته، وبعضها قد يكون مكرر، فلعلنا نقتصر على ما يتعلق بالمحاضرة.

 

 

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل لك يا فضيلة الشيخ أن توضح الفرق بينما وضحت وبين من يعتقد أن الأعمال تتضاعف أجورها إذا تضاعفت المشقة مطلقاً، وجزاكم الله خيراً.

 

الجواب: أعتقد أن هذا ورد في كلامي، ورد، وقد يكون مكروراً مني، أن العمل كلما كان ذا جهد على الإنسان وذا تعب، وذا اضطرار يعمله في ضيق، أن أجره يكثر بلا شك، والنصوص كثيرة في هذا، منها ما سمعتموه، ومنها ما لم تسمعوه، وفي حديث في الحج يقول الرسول صلى الله عليه وسلم  لعائشة: [ أجرك على قدر نفقتك ونصبك ]. نعم.

 

على كل حال: أكرر ثانياً بأن موضوع السؤال جاء في الكلمة، وأأكد مراراً وتكراراً بأن العمل كلما كان مضنياً كلما كان شاقاً كلما كان ثقيلاً إلا واستثنيت كما في الآية الكريمة (( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ))[البقرة:45]، كلما كان كذلكم كلما كان أجره أكثر، ومثلت أنه كلما يقدم الثمن غالياً عظيماً كبيراً كلما استوفى بدله أعظم وأجل منه، ومثلت بالشهيد ما قدمه من ثمن وما استوفاه من م.....، نعم.

 

 

السؤال: فضيلة الشيخ: هناك من الناس من يتتبع الأمور الشاقة العسرة ليقوم بها مع إمكان القيام بهذا العمل دون تلك المشقة، ظناً منه أن في ذلك أكثر أجراً ومثوبة، فهل هذا التصور صحيح، وهل المشقة مقصودة للشارع؟

 

الجواب: على كل حال: الذي يظهر لي أن المشقة ليست مقصودة إلا من حيث أنها ابتلاء وامتحان، لكن كونه مقصودة منك أن تبذل جهدك في المشقة، لا، لكن العمل يتطلب مشقة اصبر عليه، أما من أمامه طريقان لأمر خير سيعمله طريق شاق وطريق سهل، ويقول: سأبذل الشاق لأنه أكثر أجر هذا ما أعتقد أن مثل هذا جائر، الله يقول: ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ))[المائدة:6]، ((يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ  ))[البقرة:185].

 

لكن لو فرضنا أن هذا العمل ما يؤتى إلا عن طريق واحد فيه مشقة، هنا يصبر على المشقة ويبذلها.

 

أعود مرة ثانية فأقول: ما ورد في السؤال أيضاً ليس صحيحاً بمعنى أنه يعمل العمل بالطرق الشاقة وأمامه طرق أخرى ميسرة للوصول لذلك العمل، فالمسلم مأمور بأن يعمل وأن يبذل جهده، وإذا اقتضى الأمر المشقة فليصبر عليها، حتى لو كان بها تقديم الروح، أو تقديم المال، أو تقديم أي شيء من هذه الأمور.

 

العلماء دائماً يقولون الإنسان حتى في الأمور في التسلط وفي غيرها تدفع بالأخف فالأخف، وكذلك تطلب بالأخف فالأخف، في حديث في نفس المرأة التي نذرت أن تحج ماشية، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال لمن سأل عنها: [ مرها فلتمش ولتركب ]، نعم.

 

 

السؤال: بما تنصحون من يواجه مضايقات من أهله وأقاربه في ذهابه مع إخوانه وزملائه الملتزم الطيب؟

 

الجواب: على كل حال: هذا أرجو الله أن يثيبني ويثيبكم، وأنا أردت من الكلمة هذا الجانب وأمثاله، فأنصح من يجد مضايقة أن يصبر عليها، يستفتي قلبه، إذا كان عمله لله فليحتسبه عند الله وليصبر، وبالأخص يا إخو

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1679602 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان