الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   10 كانون الأول , 2016 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
الشح والبخل 2

=الشح والبخل [2]

 

الحمد لله، الحمد لله واسع الفضل والإحسان، ذي الجود والكرم والامتنان، أحمده تعالى وأشكره، وأستغفره وأستهديه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه الكريم: (( أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ))[الضحى:6-11].

 

وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، الذي يدعو كثيراً بقوله: [ اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل وأرذل العمر، ومن فتنة المحيا والممات ]، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه الذين يعدون ما أنفقوه خيراً وأبقى مما ادخروه، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة المؤمنون: إن دين الإسلام الذي أكرمنا الله تعالى به، ونحمده، ونشكره أن جعلنا من أهله، ونسأله بأسمائه الحسنى أن يزيدنا فيه محبة، ورغبة، ودعوة إليه، وأن يتوفانا عليه في غير مضرة، ولا فتنة مضلة.

 

إنه قد نهى عن سفاسف الأمور وسواقط الأخلاق، وهناكم خصلة ذميمة، وخلة شنيعة، خلة طهر الله منها أنبياءه، بل ووقى شر تأصلها في نفوس أولياءه، نسأل الله أن يجعنا من أوليائه، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

 

وجاءت النصوص القرآنية الصريحة والأحاديث النبوية الصحيحة، جاءت بالنهي عنها، بالتحذير منها، بذمها، وبيان أثرها الفضيع، وخطرها الشنيع على الأفراد والمجتمعات، ألا وهي بخل النفوس، وشحها، وهلعها، وطمعها، وتركيزها في أكثر تحركاتها على الجمع دون العطاء، وعلى الأخذ دون الإنفاق، والأخذ وانحرافها بالأموال من كونها وسيلة وغاية، وسيلة وغاية يتقى الله تعالى بها، ويتقرب إليه بها، يتقرب إليه بها براً وإحساناً وإنفاقاً في سبيله، ومواساةً وجبراً لعباده (( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ))[المائدة:54] إلى جعلها غاية ووسيلة يحارب الله بها ويحارب بها دينه، يحارب بها دينه جدياً من غير حل، وإنفاقاً من في معصية، وتعاملاً في محرم ولا قوة إلا بالله.

 

يقول الله جل وعلا: (( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))[هود:15-16].

 

ويقول: (( وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))[آل عمران:180]، ويقول: (( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ))[الحشر:9]، ويقول: و (( مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ))[محمد:38]، ويقول: (( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ))[التوبة:75] * (( فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ))[التوبة:76]، اسمعوها وتذكروها يا من كنتم عالة فأغناكم الله، يا من كنتم ذا حاجة فسد الله حاجاتكم، يا من ملأ الله دوركم وخزائنكم من الأموال التي امتحنتم بها، (( فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ ))[التوبة:76-77]، ويقول: (( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ))[النساء:36] إلى أن قال: (( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ))[النساء:36-37].

 

ويقول رسوله عليه الصلاة والسلام: [ اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دمائهم، واستحلوا محارمهم ].

 

ويقول فيما رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه: [ شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع ]، ويقول عليه الصلاة والسلام لما جاءه بنو سلمة : [ من سيدكم؟ قالوا: الجد بن قيس على أننا نزنه بالبخل، فقال عليه الصلاة والسلام، وأي داء أدوأ من البخل، سيدكم فلان ].

 

وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ خلق الله جنة عدن بيده، فدلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال لها: تكلمي، قالت: (( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ))[المؤمنون:1]، فقال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ].

 

فاتقوا الله أيها الإخوة المؤمنون، اتقوا الله واجتنبوا الرذائل، وتحلوا بمكارم الأخلاق، تجنبوا ما يبعد من الله، تجنبوا ما يسخط الله عليكم، تحلوا بأكرم الأخلاق التي تدني من الفضائل، وتبعد من الرذائل التي هي محببة إلى الرحمن، ومبغضة إلى الشيطان (( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ))[البقرة:268].

 

فاتقوا الله وتحلوا بالسخاء والكرم والجود والإحسان، فتلكم صفات أنبياء الله، صلوات الله وسلامه عليهم، ولقد كان خيرتهم وصفوتهم وإمامهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فكان يؤتى بالذهب والفضة فيوزعها في يومه، ويؤتى بالنعم فيوزعها في يومه، ولقد كان لعمله هذا أيها المسلمون، أيها المقتدون به، أيها المؤمنون به، أيها الراجون أن تحشروا في زمرته، لقد كان لعمله هذا الأثر العظيم لكرمه، وسخائه، وإعطائه، وعدم اهتمامه بالجمع، لقد كان له الأثر العظيم في الدعوة إلى الإسلام، وفي قبول الإسلام.

 

فقد روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: [ ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، ولقد أعطى رجلاً غنماً بين جبلين فذهب إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ]، ولقد كان الرجل يسلم ولا يريد الإسلام، ولم يلبث أن يكون الإسلام أحب إليه من كل شيء، أو كما جاء في الحديث.

 

ولقد خرج صفوة هذه الأمة بعد نبيها وخيرتها أبو بكر رضي الله تعالى عنه من جميع ماله لله، لله، وخرج عمر رضي الله تعالى عنه من نصف ماله لله، ولما نزل قول الله سبحانه وتعالى: (( لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ))[آل عمران:92]، قال أبو طلحة رضي الله تعالى عنه: [ يا رسول الله، إن أحب أموالي إلي بيرحاء وإني جعلتها لله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال عليه الصلاة والسلام: بخ بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح }.

 

وجاءت عير من الشام تحمل تجارة لعثمان رضي الله تعالى عنه، على حين حاجة الناس إلى تلكم التجارة، فطفق التجار يستابونها منه رضي الله تعالى عنه، وكل ما زادوه قال: أعطيت أكثر من ذلك، يشير إلى قول الله: (( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ))[البقرة:245]، فجهزها في غزوة تبوك، في حين حاجة الغزو والمسلمين إليها.

 

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: جهز عثمان ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأكتابها وعدتها وألف دينار، هذه أرواح ونماذج وأعمال أسلافنا الصالحين، هذه صفات الكرماء.

 

فاتقوا الله أيها الإخوة المؤمنون، اتقوا الله وجانبوا الرذائل، جانبوا البخل والبخل اسم جنس يعم كثيراً من الكبائر وبعض الصغائر، فاتقوا الله، اتقوا الله وامتثلوا أمر الله.

 

أقول قولي هذا، وأسأل الله أن يغفر لنا، وأن يرضى عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمن جاهدوا في سبيل الله، وعمن كانوا مثلاً حية، وأئمة للمسلمين، إنه تعالى غفور رحيم.

 

 

الحمد لله، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبه ربنا ويرضاه، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها النجاة يوم نلقاه، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون.

 

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعمن سار على نهجه، واقتفى سنته.

 

عباد الله: إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عنهم شذ في النار.

 

عباد الله اتقوا الله، واعلموا أن البخل منه الكبائر ومنه العظام، وأن من أشره البخل بما أوجب الله على الإنسان، ومن ذلكم البخل بحقوق الناس الواجبة، ومع الأسف اليوم أصبحت تسود مجالس الناس كلمات حول تأخر بعض القادرين عن السداد، وتسميهم بالإعسار، في هذا المعنى يقول عليه الصلاة والسلام: [ لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ]، من طولب بحق وقدر على الوفاء وتأخر، فهو آثم، آثم، آثم أما لم ذاك المال بغير حق، ومؤخر له بغير حق، إن جاءه اليقين ولم يؤده، ستعلق نفسه بديونه، فنفس المؤمن معلقه بدينه حتى يقضى عنه.

 

فيا أخي القادر على الوفاء، حاسب نفسك وأد حقوق العباد فإنها لا تغفر، والناس يريدون حقوقهم دنيا وأخرى، [ لي الواجد ] أي: مماطلة القادر على الوفاء، مماطلة القادر، وتأخر القادر على الوفاء يحل عرضه، أي: يبيح للناس أن يغتابوه في ذلكم الأمر ولا إثم عليهم، وعقوبته أي يحل للسلطات أن تعاقبه، حبساً أو ضرباً أو غير ذلكم.

 

وبمفهوم الحديث: أن غير القادر لا يكلف ما لا يطيق، من لم يقدر على الوفاء، من عجز عن الوفاء فالمشروع أن لا يحرج، المشروع للمسلم أن يبتغي فضل الله في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ]، وفي قوله تعالى: (( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ))[البقرة:280]، فيشرع لمن عليه حقوق أن يبادر بها حسب استطاعته، ويشرع لمن له حقوق أن يطالب بها مراعياً أحوال المعسرين، وأحوال العاجزين، متحلياً بالسماح، وبحسن الاقتضاء، وبمشاركتهم فيما أصيبوا به من عجز لعل الله الذي وعده التيسر على لسان رسوله أن ييسر عليه، ومن يسر على معسر يسر الله تعالى عليه.

 

فاتقوا الله أيها الإخوة، وتجنبوا البخل بكل ما أوجب الله تعالى عليكم، تعفوا نفوسكم من الشح والهلع، وتعاونوا مع إخوانكم على البر والتقوى والإحسان تكونوا خير أمة، وتترابطوا وتتعاونوا على البر والخير والتقوى.

 

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، اللهم اقض الدين عن المدينين، اللهم اقض حوائج المسلمين، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، اللهم اجعلنا مفاتيح للخير دعاة إليه، مغاليق للشر صمداً أمامه يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اسقنا الغيث والرحمة، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً مريئاً، سحاً طبقاً مجلجللاً ، نافعاً غير ضار يا ذا الجلال والإكرام، اللهم لا تمنعه بذنوبنا، ولا بما فعل السفهاء منا.

 

اللهم أغثنا وارحمنا، وتب علينا، وتجاوز عنا، يا ذا التجاوز والإحسان والعفو، يا حي يا قيوم.

 

إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعضكم لعلكم تذكرون.

 

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1680938 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان