الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   10 كانون الأول , 2016 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
مفهوم الوسطية في الإسلام

=مفهوم الوسطية في الإسلام

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى كل من دعا بدعوته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

 

وبعد:

 

أيها الإخوة في الله: يطيب لي في هذه الأمسية التي ألتقي بكم فيها أن أحييكم وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يحيون بتحية الإسلام يوم يلقونه جل وعلا.

 

وقبيل البدء، أشكر للمركز ثقته بي، ودعوته وإتاحته لي الفرصة في هذا اللقاء بهذه الوجوه التي يظهر عليها الالتزام، وإنني أهنئها بما من الله تعالى عليها به من الالتزام، ومن الانضمام إلى جند الله.. جند الدعوة إلى الله، الذين أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحقق بهم وفيهم تأويل قوله جل وعلا: (( وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ))[الصافات:173].

 

الموضوع كما سمعتم: الوسط أو الوسطية أو المفهوم العام للوسطية في الإسلام.

 

والواقع أن الموضوع مهم جداً، مهم لتعلقه بوسطية وخيرية هذه الأمة التي أكرمها الله تعالى وشرفها بهذه الوسطية، وبهذه الخيرية، قال تعالى: (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ))[آل عمران:110].. (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ))[البقرة:143].

 

من حيث تعلقه بهذه الناحية، ومن حيث تعلقه بالتجاوز في حقه، والعدول بمسماه في عصرنا الحاضر من كثير من متمسلمة أو متعالمة اليوم بالعدول به عن مقتضاه ومسماه.

 

وسأحاول بجهدي المحدود، وفي هذه الفترة المحدودة أن أتكلم عن جوانب منه تدعو الحاجة لها عن رءوس موضوعات فيه لا عن تفصيلها، فتفصيلها واسع ويحتاج إلى أوقات كثيرة، وإلى جهد كبير، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يمكننا وإياكم من الخير ومن قول الحق.

 

سأتكلم بكليمات عن رءوس أو باختصار عن موضوع:

 

مسمى الوسط في اللغة.

 

مسمى الوسط في الشرع، وأمثله لبيان هذا الوسط.

 

الأمر من الله بلزوم هذا الوسط والوعد عليه منه سبحانه وتعالى.

 

النهي من الله بعدم الخروج منه، والوعيد في هذا.

 

الانحراف أو العدول بهذا المسمى عن مسماه الشرعي، عن مسماه الانحراف أو العدول بهذا المسمى في لغة الإعلام وفي لغة كثير من متمسلمة اليوم كما أسلفت.

 

وبعد هذا بيان معنى الوسطية التي شرف الله تعالى بها هذه الأمة، بيان معناها وأنها ستظل زاكية.

 

بعد هذا -وأرجو الله أن ييسر وأن يذكرنا ما ينفعنا- كليمة ختامية ترغيب في الاستمساك وفي لزوم هذا الشرف وهذا الكرم الذي شرفنا الله تعالى به وأكرمنا به.

 

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهديني لسداد القول، وأن يوفقكم لحسن الإصغاء، وأن يجعلنا جميعاً ممن قال سبحانه وتعالى فيهم: (( فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ))[الزمر:17-18].

 

يقول أهل اللغة فيما يتعلق بمسمى الوسط في اللغة، يقولون: الوسط بالفتح -أي: بفتح السين-: من كل شيء أعدله.

 

نبين هذا لنعرف معنى الوسط، ولنعرف ما يحوكه أعداءنا من العدول به عن مقتضاه وعن مسماه.

 

يقول أهل اللغة: الوسط بالتحريك من كل شيء أعدله.

 

ومن هذا قوله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ))[البقرة:143] أي: عدلاً خياراً، ومن هذا قوله جل وعلا: (( قَالَ أَوْسَطُهُمْ ))[القلم:28]. أي: أعدلهم.

 

والوسط من كل شيء ما بين طرفيه، وقد يطلق على المقدمة أو على الواجهة للشيء.

 

ومن تسميته لغة ما في قول الله: (( إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ))[البقرة:68].

 

(لا فَارِضٌ) أي: لا مسنة.

 

(وَلا بِكْرٌ) أي: لا صغيرة.

 

(عَوَانٌ) والعوان ما بين المسنة والصغيرة، أي: الوسط.

 

من هذا المسمى لغة، فنعرف أن المسمى بالوسط هذا أنه يطلق على من كل شيء أعدله، وأنه من كل شيء ما بين طرفيه.

 

هذا شيء مما ذكره أهل اللغة في مسمى الوسط، وهذا شيء من مسمى الوسط في اللغة.

 

أما مسماه الشرعي -فيما يظهر- فهو: تطبيق شرع الله الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه، وأمر بالأخذ به تطبيقاً معتدلاً، تطبيقاً عادلاً قواماً لا عوج فيه ولا أمتا، لا تطبيقاً يظهر فيه...

 

(حصل هنا انقطاع صوتي)

 

هذا المعنى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه لما خطب من عبد الملك ابنته فاطمة، قال: ما تصدقها؟ قال: الحسنة بين السيئتين.

 

فالإسراف سيئة، والتقصير سيئة، والحسنة هي ما بينهما، أي: هي القوام وهي العدل وهي الوسط.

 

بهذا وسيأتي بيان عند فقرة بيان وسطية هذه الأمة التي شرفت بها.

 

ولقد جاءت نصوص القرآن أيها الإخوة آمرة من وصفوا بهذا الوصف، من وصفوا بأنهم وسط، آمرة لهم بلزوم الاعتدال، والقوامة، والوسطية في الأمور، الوسطية الشرعية، الوسطية التي أخذت من لغة العرب، ومن شرع الله، ونادت بها النصوص الكريمة من كتاب ومن سنة، جاءت آمرة لهم بأن يأخذوها، ويعضوا عليها، ويلزموها، وصفوا به من أنهم أمة وسط، يقول جل وعلا -والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب-: (( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ))[الإسراء:110]، ويقول: (( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ))[الروم:30].

 

(أَقِمْ وَجْهَكَ) هذا اللفظ عبارة عن توجه الإنسان إلى الله، توجهاً معتدلاً لا ميل فيه هنا ولا هنا، لا غلو فيه ولا تقصير، لا إفراط فيه ولا جفاء، توجه إلى الله حفاظاً على فطرته التي فطره الله تعالى عليها، لا تبديل لخلق الله.

 

ويقول سبحانه وتعالى: (( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا ))[هود:112]، (وَلا تَطْغَوْا ) لا تتجاوزوا الحدود التي حدت لكم، فتصبحوا فيها غالين، ولا تتراخوا وتفرطوا، فتصبحوا بها جافين.

 

ويقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ ))[النساء:135]، صيغة مبالغة تعطي معنى الاعتدال والاستقامة والقوامة، والبعد عن الغلو، والبعد عن التقصير، (( كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ )) [النساء:135].

 

ويقول جل وعلا في وعد من أمرهم بهذا الأمر، ومن وصفهم بأنهم أمة وسط، يقول في وعدهم سبحانه وتعالى: (( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ))[الصافات:171-173]، ويقول: (( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ))[غافر:51-52].

 

ويقول في تحذيرهم أن ينحرفوا عن هذا الوسط، وأن يتسببوا في ضياع هذا الوعد منه سبحانه وتعالى، يقول في تحذيرهم أن يميلوا يمنة أو يسرة، أن يجفو أو أن يغلو، أن يفرِّطوا أو أن يفرِطوا، فتضيع عليهم أسباب الخير الذي وعد به، يقول سبحانه وتعالى مخاطباً المؤمنين الذين طلب منهم أن يكونوا وسطاً كما يريده الله مخاطباً المؤمنين، يقول: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ))[المائدة:54]، ويقول: (( وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ))[محمد:38]، ويقول: (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ))[النساء:115].

 

ومن هذا المسمى اللغوي، والمسمى الشرعي، ومن هذه الأوامر الصريحة بالأخذ بالوسطية في الأمور وفق شرع الله، ومنهاج تحذير من الله بعدم الاعوجاج والانحراف عن الخط المستقيم بغلو أو تقصير.

 

 يقول بعض العلماء: ما من أمرٍ أمر الله به إلا وللشيطان فيه مدخلين أو قال أمرين، لا يضرهما أيهما كسب: الغلو والتقصير. إما يأخذ الإنسان ليغلو، أو يأخذه ليقصر، وأيهما حاز من غلو أو من تقصير فرح بهذا.

 

بهذا أيها الإخوة: يعلم أن ما أخذ يجري على ألسنة كثير من الناس في هذا المسمى يرون المعتدل المتوسط في الأمور، فيسمونه متطرفاً، يرون المنحرف عن شرع الله، الذي تذبح السنة في وجهه، ويجر ثوبه وراءه كما تجر النساء ذيولهن، ويسيء في الأموال، ويسرف فيها الإسراف الهائل الذي نهى الله تعالى عنه، يرون من لا يحكم بكتاب الله، إما في جميع أموره، أو في جزئي من جزئياته، يرون في عصرنا، والحديث عن أمة الإسلام بوضعها العام فهي أمة واحدة؛ (( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ))[الأنبياء:92].. يرون هذا فيعتبرونه معتدلاً، يعتبرونه مثقفاً، يعتبرونه.. يعتبرونه..

 

إن نأخذ يا إخوة مسمى الوسطي في لغة العرب التي هي لغة القرآن، وفي شرع الله الذي أنزله الله قرآناً وسنة، إن نأخذها لنر من هو المتوسط في أموره، ومن هو الغالي إن كان غالياً، أو الجافي إن كان جافياً؟!

 

لننظر إلى حكم من أحكام الله أمر الله تعالى به، فمن قصر فيه ولم يمتثله نعتبره متطرفاً لا معتدلاً ولا مثقفاً الثقافة التي مستقاة من كتاب الله وسنة رسوله، لا نعتبره معتدلاً.

 

ننظر إلى من تر السنة في وجهه، والالتزام في وجهه، يكاد يحجر على نفسه في كثير من الأمور، خشية أن يدخل بطنه حرام، ويكاد.. ويكاد..، ننظر إليه وإلى واقعه، ونطبقه على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

 ننظر هل هو في إطار الوسط بين الأطراف في الداخل، أم هو على الحافة وعلى الطرف لنسميه متطرفاً.

 

إنه تجاوز وتعد على هذه المسميات من كثير من أهل عصرنا، ومن إعلامنا وللأسف وغير إعلامنا، يرون الملتزم بشرع الله فيسمونه متطرفاً، صحيح قد يكون تطرف في جانبهم؛ لأنهم عصوا الله، وتكلم عن منكرهم، وتكلم عن باطلهم، وتكلم عن مخالفتهم لشرع الله، اعتبروه من هذا الجانب متطرفاً.

 

لننظر إلى ما تكلم به.. إن كان من شرع الله فهو المعتدل وأنتم المتطرفون، وإن كان من غير شرع الله فهو المتطرف وأنتم الصادقون، ننظر إلى هذه الناحية.

 

على كل حال الأمر واسع، وللأسف من كثير من الناس، فأنا أقصد من إخواننا أن يأخذوا المسمى من لغة العرب ومن الشرع، وإذا أطلق أب أو أخ أن ابنه متطرف، فليسأل: ضع لي الوسطية؟ ما هي الوسطية في الإسلام التي إذا خرجت عنها اعتبر متطرفاً؟ ما هي؟ ضعها لي فيما يتعلق بأمور الصلاة، أعطني الصلاة، وشوف هل صلاتي خرجت عما كان عليه عليه الصلاة والسلام، ضع سلوكي على ما أحل الله وحرم، هل أنا خرجت عنه فأعد متطرفاً، أسبر أحوالي وأسبر أموري، أما أن يسمى المعتدل بالمتطرف فهذا تجاوز يا إخوة.

 

وإنني أقول لهؤلاء الذين يسمون الناس أو يسمون هذا الأمر بغير مسماه ويسمونه بغير مقتضاه، إنني أقول لهم: إن هذا الاسم الذي هو الوسطية والوسط سيظل قائماً شجاً في نحوركم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فإما أن تنضموا إلى جنده، وتتوسطوا وتستقيموا وتتركوا للتطرف أنتم، والانحراف عنه، والخروج عن دائرته، وإما أن تخلوا الطريق له، فهذا الوسط شرع الله الذي أنزله الله وسيظل قائماً يقوم به خلف عن سلف، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، هذا الوسط الذي يسمى تطرفاً، وهذه الوسطية التي مدحت بها هذه الأمة هي شرع الله وسيظل قائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

 ولننظر إلى ما وصفت به هذه الأمة من قول الله: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ))[البقرة:143]؟

 

الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت أيها الأخ جزء من هذه الأمة، أنت أيها المسلم جندي من جنودها، وجزء منها، ولبنة من لبناتها مخاطب بما خوطبت به، وموصوف بما وصفت به، وهي ستظل قائمة.

 

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) أي: عدلاً خياراً، ولقد كانت وسطاً منذ أن وجدت، وستظل بإذن الله، فبالاستقراء نجد أن هذه الأمة أصبحت منذ أن وصفت بهذا الاسم وسطاً، سواءً غلب على أفرادها أو بقي الوسطية في قلة قليل منها مما يشعر به الحديث الشريف: { لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى وهم على ذلك }.

 

الأمة وصفت بأنها وسط وكذلك هي وسط، فبالاستقراء نجد أن الله سبحانه وتعالى شرفها بهذا الاسم، فكانت وسط بين الأمم السالفة وأنبيائها، منزلة هذه الأمة في منزلة بين الأمم السالفة وبين أنبيائها، فهي أفضل من الأمم ودون الأنبياء الأفراد لا نبينا صلى الله عليه وسلم فهو خير الأنبياء وأكملهم، وهو خير البشر جميعاً، فهذه الأمة وسط بين الأنبياء السالفة وبين أممهم.

 

وسط كذلكم بين الأمم جميعاً، أمم التكليف، فلم تغل كما غلت النصارى في أنبيائها، فألهت الأنبياء وجعلتهم آلهة، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، ولم تجف كما جفت اليهود عليهم لعائن الله، الذين قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس.

 

فهذه الأمة وسط في باب الأنبياء، والإيمان بالأنبياء، هم وسط، فلم تأخذ مأخذ اليهود في الجفاء وهو تطرف، ولم تأخذ مأخذ النصارى في التأليه وهو تطرف، وإنما آمنت بالرسل، آمنت برسل الله عليهم الصلاة والسلام، واتبعتهم فيما أمرت أن تتبعهم فيه، آمنت بهم وهذا وسط في باب الإيمان بالرسل.

 

كذلكم هي وسط بين نحل هذه الأمة أنفسها، أمة محمد صلى الله عليه وسلم التي قال فيها: { من كان مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي } وسط وستظل وسط بإذن الله، بين نحل هذه الأمة، الأمة التي قال فيها عليه الصلاة والسلام: { ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة }.

 

فهي وسط بين هذه النحل، من كان على مثل ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم تجده من الفرقة الناجية، من الأمة الناجية، من الأمة التي لا تزال على الحق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

وسط كذلكم في توحيد الأسماء والصفات، فلم تغل كما غلت الجهمية في صفات الله، وأثبتوا لله صفات تشبه صفات المخلوقين، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وهذا غلو في الإثبات.

 

 ولم تجف كما جفت المعتزلة ومن على شكلهم بنفي صفات الله وبتأويلها حتى عطلوا المقتضى والمدلول والمعنى.

 

ولكنها وسط بين غلو الجهمية في الإثبات وبين جفاء المعتزلة وأمثالهم في النفي، فهي تؤمن بما أخبر الله تعالى به عن نفسه، وبما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم عن ربه، تؤمن بأن لله صفات تليق به حقيقة، سواء كانت صفات ذات كالوجه واليد، أو صفات فعل كالمجيء والإتيان، أو صفات معان قائمة به كالإرادة والعلم، تؤمن بأن له صفات ذات حقائق وكيفية تليق به سبحانه وتعالى، إلا أنهم ينفون علمهم بالكيفية نفسها، لا بإثبات الصفة، ولقوله تعالى: (( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ))[طه:110].

 

فهذه الأمة الخيار الوسط التي سل الله عقيدتها من بين فرث ودم، من بين فرث الجهمية ودم المعتزلة، وأمثالهم إلى أن أصبحت كلبن صاف للشاربين.

 

هذه هي الأمة الوسط، وأقول: ستظل شجىً في حلوق المنحرفين فيما يتعلق بغلو في العبادات أو في جفاء في انتهاك المحظورات أو في تأويل في صفات أو في تشبيه في صفات، ستظل قائمة بأمر الله وسطاً في هذه الأمور.

 

 وكذلك بلا شك هي وسط في مثل باب مسمى الإيمان، فلم تغل كما غلت الخوارج والمعتزلة بتكفيرهم وتخليدهم من ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب في النار، وهذا غلو وتشديد.

 

ولم تجف كما جفت المرجئة الذين أخذوا بنصوص الوعد، وأهملوا نصوص الوعيد، فجعلوا الإيمان مجرد إقرار أو إقرار ونطق دون الأعمال، فهذا جفاء وتعطيل لآيات وأحاديث ولجزء من مسمى الإيمان الذي سماه الله تعالى به، بل ويتضمن التسوية بين إيمان أبي بكر ومن دونه من الناس من العصاة، ولا غلو بإخراج أهل الملة أهل القبلة الذين معهم أصل، ولم يرتبكوا مخرج لهم من الإيمان، بإخراجهم من الملة، لكنهم يقولون: الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فمن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب نقول: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته يدخل تحت قول الله جل وعلا: (( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِك

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1680876 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان