الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   05 كانون الأول , 2016 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
خطر الرياء

خطر الرياء

 

الحمد لله عالم السر والنجوى، المطلع على الضمائر وكل ما يخفى، سبحانه وتعالى وعد المخلصين الدرجات العلى وحذر المرائين ناراً تلظى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى أتباعه الذين لا ينشدون بحركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم إلا رضا الله وحده، انطلاقاً مما أمرهم تعالى به في قوله: (( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ ))[الأنعام:162-163] وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: اتقوا الله وراقبوه، اتقوا الله في سركم وجهركم ومنشطكم ومكرهكم وأثرة عليكم.

 

عباد الله.. أيها الإخوة المؤمنون: تحصناً بالله وحفاظاً على عقيدتنا وأعمالنا من الضياع أذكركم وأذكر نفسي، أذكر نفوسنا، أذكر المتعلمين والعابدين والطائعين بأن أمامهم خطراً عظيماً، خطراً يلاحقهم به الشيطان في عباداتهم، يلاحقهم به ليفسد عليهم أعمالهم وليحولها من طاعة تستوجب الغفران وسكنى الجنان إلى معصية تعرض صاحبها للدخول أو الخلود في النيران، ألا وهو الرياء الذي خافه علينا صلوات الله وسلامه عليه، وخافه على أنفسهم من بعده كثير من أصحابه رضي الله تعالى عنهم، قال البخاري: قال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه)، ذلكم الخطر وذلكم المحبط للأعمال وذلكم الذي نخافه على أنفسنا، هو الرياء، هو إظهار الأعمال وإبطان غيرها والعياذ بالله، هو الرياء وهو أن يظهر الإنسان خلاف ما يبطن، أن يظهر من العبادات والخير خلاف ما يبطنه، إن صلى ولم يقصد الصلاة أو عمل عملاً ما ولم يقصده وشرع فيه ابتداء فذلكم خطر محبط للعمل وموجب لمقت الله وغضب الله، ذلكم هو عمل المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، (( وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ))[التوبة:54].

 

فمن عمل عملاً صالحاً لم يقصده ذاته وأظهره للناس ليقصد به محمدة أو ثناء أو أي نفع مادي أو معنوي فقد ارتكب عملاً شركياً خطيراً محبطاً للأعمال والعياذ بالله، ومن نوى خيراً وشراً، عمل صالحاً وعمل معه عملاً آخر حسن ذلكم العمل ليرى صلاحه أو ليرى موقفه أو لترى شجاعته أو كرمه فذلكم أيضاً محبط للعمل الذي اقترن به، وليس لصاحبه منه شيء، أما من قام لله وعرض له عارض رياء ودفعه فله أجر الدفع وله أجر عمله.

 

فيا أيها الإخوة المؤمنون: إن خطر الرياء لعظيم، وإنه لمرض كثير من الناس والعياذ بالله، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وطيب ثراه في كتاب التوحيد: باب ما جاء في الرياء، وقول الله تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ))[الكهف:110].

 

قال: وعن أبي هريرة مرفوعاً أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ] رواه مسلم.

 

قال: وعن أبي سعيد مرفوعاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ] رواه أحمد.

 

ويشهد لهذا الحديث حديث أبي سعيد ما صح أنه قال عليه الصلاة والسلام: [ إياكم وشرك السرائر. قيل: وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي في صلاته جاهداً لما يرى من نظر الرجل إليه ].

 

وأعقب رحمه الله هذه الترجمة بترجمة أخرى هي أكثر منها حساسية وهي أخطر منها؛ لأنها تتضمن إرادة المال، إرادة الدنيا فقط، قال رحمه الله: باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا.

 

قال: وقول الله تعالى: (( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ))[هود:15-16].

 

قال: وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة -كساءان معروفان- تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط ]، [ طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع ].

 

أيها الإخوة في الله: أنصحكم وأنصح شبابنا أن يستعيدوا قراءة هذين البابين بشروحهما، أن يستيعدوا قراءتهما بروح الرغبة في النجاة، بروح الرغبة في تصفية العقيدة وتزكيتها وتخليصها مما قد يعلق بها من وضر الرياء أو السمعة، بروح تجعل المؤمن يحتاط لنفسه، ويكافح شيطانه ووسوسته، فيتجه بأعماله إلى الله، يجرد أعماله من إرادة المحمدة، من إرادة الثناء، من إرادة الدنيا، من إرادة أي نفع معنوي، فمن أراد ذلكم بأعماله فما له في الآخرة من خلاق والعياذ بالله.

 

فاتقوا الله عباد الله: أذكركم بالحديث الذي رواه الإمام مسلم في خطر الرياء، وأن الأعمال وإن رئيت في ظاهرها خيرية إلا أنها قد تكون باطلة، قد تكون سبباً لدخول النار، وهي صلاة.. وهي جهاد.. وهي دعوة.. وهي أمر بمعروف.. وهي نهي عن المنكر.. قال عليه الصلاة والسلام: [ إن أول الناس يقضى عليه يوم القيامة: رجل استشهد في سبيل الله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى قتلت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال جريء، وقد قيل، فسحب على وجهه وألقي في النار، ورجل تعلم القرآن وعلمه فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: تعلمت القرآن وعلمته، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال قارئ، فأمر به فسحب على وجهه في النار، ورجل آتاه الله من أصناف المال، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت، قال: كذبت، ولكنك أنفقت ليقال: جواد، فأمر به فسحب على وجهه في النار ].

 

فيا أيها الإخوة المؤمنون: إن خطر الرياء لعظيم، إنه لمفسد للأعمال، إنه لا أخطر علينا من أن نظهر بمظهر الصلاح وبواطننا تختلف، إنه لا أخطر علينا من أن نظهر أن هذا المجال مجال دعوة لنكسب من ورائه نفعاً مادياً، إنه لا أخطر علينا من أن نظهر أمام الناس بعبادات هي في ظاهرها صلاة وصوم وجهاد، وهي في باطنها موجبة لدخول النار، والعياذ بالله.

 

فاتقوا الله أيها المسلمون: وأخلصوا أعمالكم واحذروا خطر الرياء، احذروه، فإن عاقبته النار والفضيحة، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق على صحته: [ من يرائي يرائي الله به، ومن سمع سمع الله به ] فالجزاء من جنس العمل، من يظهر للناس أعمالاً هو بخلافها يكشفه الله، يكشفه في الدنيا، فقد ترد عليه المشاعر بأنه مرائي كذاب وقد يكشف في الآخرة، يكشف في يوم نرجو الله أن يسترنا فيه، ومن سمع سمع الله به.

 

يقول العلماء: (من يرائي: من يظهر الأعمال الفعلية ليرائي بها، الله يكشفه في الدنيا وفي الآخرة، ومن يسمع الناس يظهر الأعمال القولية من قراءة أو عظة أو ذكر أو ما إلى ذلكم من العبادات القولية، ليري الناس أنه بها صالح ومتعبد)، يكشفه الله للناس، ومثل هذا من يعمل في الباطن خيراً ثم يصبح يعلنه للناس فهو مسمع ومن سمع سمع الله به.

 

فيا أيها الإخوة المؤمنون: إن هذا خطر على الكل، على المتعلمين، ومع الأسف في أوساطنا كثير من الأمور تنبئ عن شيء من هذه الأمور، فليحذر المتلبس بشيء من هذا أن يكشفه الله، ليحذر أن يكبه الله على وجهه في النار، ليحذر أن يكون ممن يعمل أعمالاً من عملها غيره يخلد بها في الجنان، وهو بأعماله إن مات عليها يخلد بها بما كان كفراً منها في نار جهنم.

 

فاتقوا الله عباد الله: وأخلصوا الأعمال، أخلصوها لله، حاربوا الشيطان، ابتعدوا عن إرادة الدنيا بأعمال الآخرة، ابتعدوا عن أي محبط للأعمال، وتحصنوا بتقوى الله، وباللجوء إلى الله، وبالاستعاذة من الشيطان الرجيم، وبالإقلاع عما قد يعرض لكم من هذه الأمور، قال تعالى: (( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ))[الأعراف:200].

 

أقول قولي هذا، وأسأل الله بأسمائه الحسنى أن يجعلنا مخلصين له متجهين إليه بأعمالنا، متبعين لرسوله صلى الله عليه وسلم، نسأل الله أن يعيذنا من الفتن وأن يبارك لنا في كتابه، وأن يجعلنا من أهله، وأن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وأن يثبت أقدامنا وأن ينصرنا على من عادانا، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، إنه تعالى هو أهل التقوى وأهل المغفرة.

 

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وعلى أصحابه، وعلى كل من دعا بدعوته واقتفى أثره إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أقدامكم على النار لا تقوى، وأن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم فخذوا حذركم، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

 

عباد الله: اتقوا الله وأخلصوا الأعمال، أخلصوها فالأعمال بالإخلاص ذات بركة وذات نفع وذات مضاعفة، وذات خير متعد وباق، فأخلصوا أعمالكم لله، وابتعدوا عن الرياء، اقرءوا المثلين الذين ضربهما الله تعالى في كتابه الكريم، في آخر سورة البقرة لمن ينفق رياء، ولمن ينفق لله سبحانه وتعالى، لتعلموا أثر الرياء وأثر من ينفق ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، وتحصنوا واحذروا، أكرر بتحذير نفسي وتحذيركم من الوقوع في الرياء، أحذركم من أن تحوطوا العبادات من أن يشوبها شائبة.

 

لفت نظري أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى بوب في صحيحه: باب اتباع الجنائز من الإيمان، ذكر فيه حديث: [ من شهد الجنازة حتى تدفن فله قيراط، ومن شهدها حتى يصلى عليها وتدفن فله قيراطان.. ] الحديث، أعقب هذه الترجمة بترجمة هي قوله: (باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر).

 

وقال الحافظ وغيره: (إن مناسبة هذه الترجمة لما بعدها أن اتباع الجنائز عبادة، وهذه العبادة قد يخرج فيها من يقصد العبادة نفسها، وقد يخرج فيها من يقصد أصحاب الميت، من يقصد رضاهم أو يخرج لأمر ما، فخذوا عبرة، وتأملوا في دقة السلف وفي حرصهم على حياطة وصيانة أعمالهم، فمن خرج معها من أجل الناس يكون خرج من أجل الناس، ولا يعود بالأجر الذي تترتب على من اتبع الجنازة، ومن خرج من أجل أنها عبادة ورجاء ثواب الاتباع رجع بذلكم.

 

فاتقوا الله عباد الله وتأملوا فيما يحفظ عقائدكم ونياتكم [ فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ].

 

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين وعن أصحابه أجمعين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن يخافك ويتقيك ويتبع رضاك يا رب العالمين.

 

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

 

إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

 

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1676760 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان