الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   01 تشرين الثاني , 2014 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
الإحسان وأثره في الدعوة

=الإحسان وأثره في الدعوة

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله، وعلى أصحابه أجمعين، وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وبصفاته العلا أن يهدينا جميعاً، إلى الطيب من القول، وإلى صراط الحميد.

 

خير ما أبدأ به كلمتي شيء من كتاب الله سبحانه وتعالى، ندخل به على الموضوع الذي نرجو الله أن يلهمنا فيه رشدنا، ويوفقنا فيه للقول الصادق.

 

يقول الله سبحانه وتعالى: (( وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ))[البقرة:111-112]، ويقول: (( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ))[النساء:125]، ويقول: (( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ))[لقمان:22].

 

أيها الإخوة: غير خاف على هذه الوجوه التي التقت في بيت من بيوت الله، والتي تتعاهد كثيراً من علمائها، ومن شبابها، بالتعليم والذكرى، زادها الله تعالى خيراً إلى خيرها.

 

غير خاف أن دين الإسلام الذي أنزله الله تعالى خاتمة لما بعث به رسله، ولما أنزل به كتبه، أنه دين، دين إحسان وإكرام وتعاطف وتحاسن وتكانف وتراحم، بل وتجاوز وتسامح، ما لم تنتهك حرمات الله، وأن الله جل وعلا أمر فيه بالإحسان، في غير ما آية من كتابه سبحانه وتعالى، من ذلكم قوله جل ثناؤه: (( وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ))[البقرة:195] وقوله: (( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ َ))[القصص:77]، وقوله: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ))[النحل:90]، وقوله: و(( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ ))[يوسف:21]، الآية.

 

أمر بالإحسان في غير ما آية، وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، في غير ما حديث، من ذلكم قوله: [ إن الله كتب الإحسان على كل شيء ]، وإن الإحسان الذي أمر الله به، ورتب على القيام به ثواب الدنيا وثواب الآخرة جماعه: أن يفعل المرء ما استطاع مما أمر الله به رجاء ثواب الله، وأن يترك ما نهى الله تعالى عنه جملة وتفصيلاً خوف عقاب الله، فعلاً ورجاء من يقوم في عبادة مقام الإحسان: [ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ].

 

ومما لا شك فيه أن من أجل وأعظم مسميات الإحسان، إتقان العبادة وإحسانها، العبادة التي يتوجه بها المرء إلى الله، إلى الله جل وعلا، ويستنزل بها رحمته، ويرجو بها ثوابه، ويقدمها لتكون سبباً في الوقاية من عقابه، إحسان العبادة التي جعل الله بعض خلقه غاية لها ليبلوا الخلق، لذلكم فقال جل وعلا: (( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ))[هود:7]، ليبلوكم ارتباط، والله أعلم بالابتلاء في الاعتقاد، بالابتلاء في ما يجب اعتقاده، والتسليم والانقياد به لله، وإثباته لله على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، وقال: (( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ))[الكهف:7]، وقال سبحانه وتعالى في سورة الملك: (( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ))[الملك:2]، ولكم قرع أسماعكم، ولكم سمعتم من علمائكم وخطبائكم: أن العمل المطلوب، أن إحسان العمل، أن إتقان العمل، أن العمل الذي يرجى أن يشفع وأن يرفع إلى الله جل وعلا هو ما اشتمل على الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما بينه الفضيل وغيره من الأئمة لما سأل عن أحسن الإعمال، قال: أحسنها، بين أن أحسنها ما كان خالصاً لله، وما كان على سنة محمد بن عبد الله.

 

فالإحسان في العبادة يا اخوة هو أول المنازل، وهو أول الواجبات، وهو الذي ينبغي للمؤمن أن يهتم به تمام الاهتمام؛ ليرفع عمله وليجزى عليه، فلا بد من النظر لهذه الناحية، ولا بد من أخذ البال منها؛ ليكون المرء يعبد الله على بصيرة، يعبد الله متجهاً بعمله إلى الله، (( فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ))[الكهف:110].. (( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ))[الأحزاب:21]، فأهم الإحسان إتقان وإحسان الأعمال، بحيث توزن بميزان الشرع، بحيث لو كرر القول تكون مخلصة لله، لا يشوبها أي شائبة، وتكون موزونة بما جاء به محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.

 

ثم الجانب الثاني: الذي قد يكون المشمول بمسمى الإحسان، وهو الإحسان إلى الناس، ابتداءً بالإحسان إلى النفس أيها الإخوة، بالإحسان إلى النفس، بمحاولة بذل الجهد في تنقية عقيدتها، وتصفيتها، وتجريدها من شوائب الشرك والبدع والمحدثات، الإحسان إلى النفس، بتربيتها على شرع الله، بتصفية أعمالها، بتزكيتها التزكية التي تجعلها نفساً طيبة، صالحة، آمرة بالخير، يقول جل وعلا: (( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ))[ الشمس:9-10].

 

فأول ما يشرع للمرء أن يبذله من الإحسان أن يبدأ بنفسه يحسن إليها الإحسان الذي يجعلها تترفع عن الرذائل، تترفع عما يعرضها لإهانة، تترفع عما يعرضها لعقاب الله، وأليم عذابه، بالإحسان الذي يجعلها تحلق مع من قال الله فيهم: (( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ))[النساء:69].

 

فالإحسان إلى النفس بإلزامها بطاعة الله، بتربيتها بالقرآن الكريم، بالبعد بها عما يجعلها عبدة للغير، ذليلة أمام الغير، رقيقة لشهوتها أو لمالها، أو لمنصبها أو لغير ذلكم، وهذا يتأكد كثيراً في حق طلبة العلم، وفي حق الشباب المسلم الملتزم، بل وفي حق كل مسلم أن يحاول باذلاً جهده في تزكية نفسه، في تزكيتها التزكية التي تجعلها محترمة، يبتعد عن الرذائل.. يزهد فيما في أيدي الناس.. يصون نفسه عن ما يشينها.. يتعفف عما في الناس.. يلتزم بآداب القرآن وبآداب السنة التي تجعل نفسه زكية، طاهرة، تابعة لمن هي عبدة له، لله، لا تابعة لغيره.

 

ومعلوم أنه كلما ترفع المرء عن الأمور التي تشين، كلما احترم نفسه أنه يُحترم، وأنه يُكرم، وأنه يُجل، والله جل وعلا يقول: (( وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ))[الحج:18].

 

ومن أحسن ما جاء في الأدب، في مثل هذا الأمر قول الجرجاني:

 

يقولون لي فيك انقباض وإنما       رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما

 

أرى الناس من داناهمو هان عندهم     ومن أكرمته عزة النفس أكرما

 

إلى أن قال:

 

وكم طالب رقي بنعماه لم يصل       إليه وإن كان الرئيس المعظم

 

إلى أن قال:

 

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم       ولو عظموه في النفوس لعظما

 

ولكن أهانوه فهان ودنسوا          محياه بالأطماع حتى تجهما

 

فيا إخوتي في الله.. ويا شباب المسلمين.. ويا من أكرمكم الله بدين يكرم من تحلى به، زكوا نفوسكم بطاعة الله، أحسنوا إلى النفوس، حتى لا تتعرض لأليم العقاب، ولا لشديد العذاب، حتى تكون مكرمة أمام خلق الله، أمام ملائكة الله، أمام من يحترم هذه الأمور ويقدرها، ثم يتلوا هذا الإحسان إلى الغير ابتداءً بالإحسان إلى الوالدين والأقربين، وذوي الضعف والمسكنة والحاجة من المسلمين، الذين أمرنا الله تعالى بالإحسان إليهم في قوله جل ثناؤه: (( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ))[النساء:36] إلى آخر الآية.

 

وقوله: (( وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا ))[الإسراء:23] الآية.

 

فهؤلاء مما أمرنا بالإحسان إليهم، ابتغاء وجه الله، ابتغاء وجه الله، وامتثالاً لأمر الله، وخوف عقاب الله.

 

واعلموا أيها الإخوة أن أنفع الإحسان وأشمل الإحسان، وأعظم أثر على الأمة هو إحسان الولاة والرؤساء والآباء، وأمثالهم فيمن ولاهم الله تعالى عليهم، فهم مطالبون بالإحسان، وإحسانهم ذوا نفع عام، ذو نفع شامل، ذو دعوة إلى الله، يربط الأمة بهم ارتباطاً محسن إليه بمحسن، وذلك أن يسوسوهم بكتاب الله وبسنة رسوله، يربونهم على الخير، يأمرونهم بالمعروف، ينهونهم عن المنكر، يدعونهم إلى الهدى (( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ))[لقمان:17].

 

وما ورد في مثل هذا، فالإحسان إحسان الولاة، إلى الناس يجعلهم يرتبطون إليهم، ابتعادهم عما يشق عليهم، عما يعنتهم، عما يحرجهم، عما يضايقهم، ولا سيما في أمور دينهم، في أمور عقائدهم، في الأمور التي أيضاً قد يغارون منها الغيرة التي توجب الشقة وتوسع الهوة، فالأمر منهم مطلوب، مطلوب في هذه الناحية.

 

وإن الإحسان أيها الإخوة سواءً في إتقان العمل فذلكم هو العمل النافع، وهو المطلوب عند الله، أو فيما بين العبد وبين نفسه، أو فيما بين العبد وبين الناس، أو فيما بين الولاة والرؤساء ومرءوسيهم، إن هذا المبدأ، وهذا الأمر مطلب عظيم في دين الله، بل ووسيلة، وسيلة عظمى في الدعوة إلى الله التي أمرنا بها، والتي كلفنا بها، فمعلوم أن واجب هذه الأمة، الذي.. وأوجبه الله تعالى عليها، هو القيام بشرعه، دعوة، وتبليغاً وحكماً وتحاكماً (( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ))[آل عمران:110]، (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ))[البقرة:143].

 

فمهمة هذه الأمة التي شرفها الله بها، وأكرمها بها، وأعلا مقامها بها، وجعلها بها تقدم الأمم يوم القيامة، وإن كانت متأخرة عنها في الوجود على ظهر البسيطة، هو الدعوة إلى الله، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

ومن وسائل إقامة هذا الأمر، من وسائل تقبل الناس بشرع الله، من وسائل شد قلوبهم، شد رقابهم، شد نفوسهم، أن تحسن إليهم، وقديماً قال الشاعر:

 

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم        فطالما استعبد الإنسان إحسان

 

ويقول صاحب القطعة التي قرأتها من قبل:

 

وكم طالب رقي بنعماه لم يصل       إليه وإن كان الرئيس المعظم

 

فالإحسان يا إخوة في المعاملة، بالمال، بالقول، بالتعليم، بخفض الجناح، بقضاء الحوائج، أمر مهم لدعوتنا، أمر مهم في أداء واجبنا في الحياة، هذا المبدأ وللأسف العظيم النافع أخذه النصارى قاتلهم الله، أخذوه وأصبحوا يستعملونه، يفتحون الملاجئ، يفتحون المستشفيات، يفتحون دور الرعاية، يفتحون كذا وكذا ليصطادوا بها الناس، وليخرجوا المسلمين عن دينهم، عن طريق الإحسان إليهم، عن طريق التغرير بهم، عن طريق لقمة عيش، أو كلمة طيبة، أو تعامل حسن في الظاهر، أو غير ذلكم، فهذا المبدأ أخذه النصارى هو أسلوب ومطلب من مطالب شرعنا المطهر، أخذوه فاستعملوه، وأصبح وللأسف كما نعلم لهم الأثر الكبير في نفوس الفقراء والمرضى، والرعاع من الناس، وغير ذلكم.

 

فمما لا شك فيه أننا مطالبون يا إخوة بالإحسان إلى عباد الله، بالإحسان إليهم ابتغاء وجه الله أولاً، وحرصاً أن نشد الناس بدين الله، وأن نجلبهم ليسمعوا كلام الله، وأن نعلمهم شرع الله من طرق التي أمرنا بها، لكن نسلك معهم هذا المسلك، وندخل معهم هذا المدخل.

 

ثم يا إخوة، الله لما أمرنا بالإحسان وعدنا وأخبرنا بما يترتب عليه في الدنيا وفي الآخرة، وأخبرنا مرغباً لنا وداعياً لنا، وآمرنا لنا بذلكم، أخبرنا بما يترتب عليه من جزاء في الدنيا، ومن أجر عظيم في الآخرة، في الدنيا النصر والتأييد والك... من الله سبحانه وتعالى، وفي الآخرة مع المحسنين، يقول سبحانه وتعالى في الجزاء الأخروي على الإحسان: (( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ))[يونس:26] أحسنوا الاعتقاد، أحسنوا العمل الذي يتقربون إلى الله، أحسنوا إلى عباد الله، (( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى ))[يونس:26] الجنة، (( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ))[يونس:26]، ويقول في المجال الأخروي والدنيوي: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ))[النحل:128]، (( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ))[يوسف:56]، ولا نضيع، فكان هذا الأمر العظيم الذي هو أدب من آداب ديننا، بل أكرر مطلب عظيم من مطالب ديننا، بل وسيلة عظمى من وسائل الدعوة إلى الله، الواجب على الأمة أن تأخذه بعين الاعتبار، بعين الاعتبار متقربة إلى الله، راجية ثواب ما يترتب عليه، خائفة من التقصير، ثم أيضاً معلوم أن الجزاء من جنس العمل، الجزاء كثيراًً ما يكون من جنس العمل، فليحسن المرء، الله يقول: (( وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ))[القصص:77]، فالجزاء من جنس العمل، فأحسنوا يُحسن إليكم، أحسنوا الأعمال، أنا أكرر، الله جل وعلا عندما في قوله: (( وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ))[لقمان:22]، أسلم وجهه المؤمن منقاداً لله، مستسلماً لأوامر الله، مؤمناً بالله، هذا الاستسلام، وهذا الانقياد، لا بد وأن يصحبه إحسان لهذا الاعتقاد، وإحسان لما يتلوه من عبادات، وإحسان لما يتلوه من إحسان إلى الناس وهو محسن (( وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ))[النساء:125]، محسن لا بد مع الاستسلام، ولا بد مع الإيمان الواقر في القلب، أن يتلو ذلكم عمل، عمل محسن متقن وفق كتاب الله، ووفق سنة رسول الله صلى الله وسلم عليه.

 

فيا أيها الإخوة.. ويا دعاة الإسلام.. ويا علماء المسلمين، أقولها: لا أغرر بكم ولكن اعترافاً بالفضل لأهله، ويا شباب المسلمين، الذين اخترتم الإسلام عقيدة واقتناعاً وفكراً لا وراثة وتقليدا، لنتعرف على تعاليم ديننا، ولنأخذ أساليبه الطيبة التي تهدنا وتفتح أمامنا المجال، وتصلنا بالله وبمن قاموا به من قبل من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وفي مقدمتهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه.

 

وإنني بهذه المناسبة وإن خرجت من الموضوع أهنئ الشباب الذين تحقق أو كاد أن يتحقق تأويل قول الله فيهم قوله: (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ ))[الأنعام:125]، الذين كثيراً ما تحقق فيهم تأويل قوله: (( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ))[المائدة:54]، إنني أهنئ هذا النوع من الناس، أهنئهم، وأدعوهم أن يحمدوا الله، وأن يشكروا الله، وأن يعلموا أنه أنعم عليهم، أنهم اختيروا واجتبوا، واصطفوا من الله، من الله جل وعلا، فليعقلوا هذه النعمة، وليزكوا نفوسهم، وليزكوا هذه النعمة بنقلها، بنقلها إلى الغير، ما عندك من خير، من علم، من إيمان، حاول أن تنقله إلى الغير ليزداد إيمانك، ولتقر نعمتك، ولتزداد..

 

فالأمة -أيها الإخوة- النافعة، الأمة الملتزمة، الأمة الموعودة بالنصر، وبالفوز، وبالنعيم المقيم عند الله، هي الأمة التي تتمثل فيها صفات محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، وصفات صحابته، رضوان الله تعالى عليهم، الذين إذا تعلموا شيئاً من القرآن لم يتجاوزه حتى يعلموا معانيه، ويعملوا بمقتضاه.

 

إن واجب المسلم الذي أنعم الله عليه بالإسلام، أن يدعو الناس إلى الله، أن يأمر بالمعروف، لا ينزوي، لا يجلس، لا يقعد، لا يقول: (( لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ))[المائدة:105]، الهداية مقرونة، عدم الضرر مقرون بالهداية، والهداية متضمنة لضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدعوة إلى الله، فمن يرد أن يلحق بركب النبيين والصديقين والشهداء فليتعرف على مهمتهم، وليقم بها، رجاء ثواب الله، وخوف عقاب الله، رجاء أن يحقق الله تعالى فيه ما وصف به رسوله صلى الله وسلم عليه في قوله جل وعلا: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ))[يوسف:108].

 

وقبل الختام: أنصح شبابنا أن يستفيدوا من علمائهم، من كبار السن، أنصحهم أن يربطوا نفوسهم بذوي العلم الشرعي، لا دعوة، لا عبادة صحيحة، ولا معاملة سلسة، بعيدة عن أوضار الشح والطمع، ولا ولا، ما لم يتحقق فيها العلم الشرعي، ما لم يكن صاحبها فيها على بصيرة، فعندكم مناهل، عندكم رجال فيهم خير، نحسبهم والله حسيبهم، حاولوا أن تنتفعوا منهم، كلمة، ندوة، كتاب، استفتاء، مجالسة، حاولوا أن تربطوا نفوسكم بهذا النوع الفريد من الناس، الذي قل من يجده في أي بلد من بلدان العالم، انتفعوا من هذا وانتهزوا الفرصة، قبل أن تتخطفهم المنون، قبل أن يرحلوا، قبل وقبل، فحاولوا أن تضعوا أيديكم في أيديهم، وأن تنتفعوا منهم، فهم فيهم خير كثير، وأنتم محتاجون لهم، وهم محتاجون لكم، فلا داعي بدون مدعو، ولا معلم بدون معلم، ولا مبلغ بدون مبلغ، فلا بد أن يترابط الناس جميعاً، وأن يتعاونوا على البر والتقوى.

 

أرجو الله سبحانه وتعالى أن يشفي صدورنا بعزة الإسلام والمسلمين، وأن يثبت شبابنا، وأن يرينا فيهم ما يسرنا، وأن يربط بين قلوب الجميع وقلوب علمائهم، وصالحيهم برباط الإيمان الحق، إنه تعالى حسبنا ونعم الوكيل.

 

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1121193 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان