الرئيسية اتصل بنا RSS خدمة   08 كانون الأول , 2016 م  
 

صفة الحج
درس لفضيله الشيخ
ففي صباح هذا اليوم الثلاثاء الثامن من رمضان عام 1426هـ ودَّعت الدنيا بمدينة الرياض أحد أئمة العلماء وأعلامها النبلاء ، وهو الشيخ عبدا...
المزيد...
ساهم في التعريف بالموقع للتفاصيل اضغط هنا
خطب ومحاضرات  
التحصن من أسباب قسوة القلوب

=التحصن من أسباب قسوة القلوب

 

                                                                                                    

 

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً كما يحبه ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ونسأله تعالى بأسمائه الحسنى وبصفاته العلى أن يحفظ قلوبنا من الزيغ.

 

اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك.

 

أيها الإخوة في الله: قبيل البدء أشكر الإخوة: الأخ عبد الرحمن الراجحي، والمتعاونين معه من إمام وغيره في دعوتهم لي للمشاركة في هذا النشاط.

 

وأشكركم على حسن ظنكم بحضوركم وتجمعكم لاستماع ما عساه أن ينفع، وأرجو الله جل وعلا أن يجعلني عند حسن الظن، وأن يوفقنا جميعاً ويجعلنا ممن يهدون للحق وبه يعدلون، وممن (( يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ))[الزمر:18].

 

في الواقع أنني لم أحضر بموضوع محاضرة على الوضع المتبع، ولكنني حضرت أستغفر الله وأتوب إليه، مشاركاً في مثل هذا اللقاء الذي تستنزل إليه الرحمة، ويرجى أن يستجاب فيه الدعاء، وأن يكون لله وفي الله، عسى الله سبحانه وتعالى أن يجعله اجتماعاً على خير وتعاون على البر والتقوى.

 

الموضوع الذي أعلن عن عنوانه: التحصن من أسباب قسوة القلوب.

 

التحصن: يقول في القاموس: الحصن الموضوع الحصين... لا يدخل جوفه فيه.

 

الحصن: المكان الرفيع الحصين الذي لا يصل إلى جوفه شيء.

 

وأنا أقصد من هذا العنوان، أن كلمة التحصن مصدر: تحصَّن تحصُّناً إذا توقى الأسباب التي تضعف أو تميت أو تقتل القلوب، أو متمنعة منها، أصبح في منعة وفي حصانة وفي مكان أمين.

 

في نفس مختار الصحاح يقول: تدرع إذا لبس الدرع.

 

معروف أن الدرع ما يلبس ليقي من النبال والسهام وغيرها.

 

تدرع إذا لبس الدرع، الدرع: الحديد الذي يلبس في الحروب على شكل ثوب ليقي من النبال، كتحصن من أسباب التحصن، أو توقي من أسباب التوقي.

 

فالناس فيما يظهر لي قسمان: قسم أحسبه والله حسيبهم على جانب من الالتزام والخير ولاسيما في هذه البلد التي الأصل فيها والمظهر فيها...

 

فهؤلاء مدعوون للحفاظ إلى حفظ ما في أيديهم، إلى جعل قلوبهم في مأمن وفي حكم، وفي مكان لا يتطرق إليها شيء يضعفها، وذلك باجتناب ما يخرق هذا الحصن، وما يقوى عليه.

 

وقسم آخر قد يكون على جانب من نقص وعصيان أو كفر أو غير ذلكم، وهذا يحتاج إلى أن يعالج.

 

فأمامنا قسمان: قسم يحافظ عليه، وقسم يعالج، وتعرفون في لغة الطب: الطب الوقائي، والطب العلاجي.

 

هذا ما يتعلق بالموضوع، وبالاختصار أقصد أن المسلم يعمل نفسه ليكون قلبه في حصن حصين لا يتطرق إليه سبب من الأسباب التي عادة تمرض القلوب، أو تضعفها وما إلى ذلكم.

 

بقي أن ندخل في الموضوع لنتعرف على شيء من الأسباب التي تتقى، ويتحصن منها ممن وفق، وكان على التزام وخير، وتعالج ممن ابتلي بها.

 

وأقول أنني لما أحضر بمحاضرة لكن بعظة وبتذكرة، وحسب المسلم أن يكون مذكراً، وحسبه أن يوفق ليخاطب نفسه أولاً بما يعظها، وليخاطب إخوته بما عساه أن ينفع أو أن يحيي الله به قلوبهم.

 

يقول الله جل وعلا: (( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ))[الحج:46].

 

ويقول عن خليله ونبيه إبراهيم أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام: (( وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ))[الشعراء:87-89].

 

غير خاف أيها الإخوة، أننا اليوم في زمن مليء كثيراً بما يصد ويلهي ويقفل القلوب عما ينفعها، بل كثير ما يلهيها ويصدها ويشغلها عما هي في حاجة إليه، فالزمن مليء بما يصد وبما يلهي، فالمشاعر الإسلامية المطلوبة اليوم تكاد تتبلد في كثير من الناس، والنفوس تكاد تموت لدى كثير من الناس.

 

 فلا والله جل وعلا عاب وندد وعاتب من تساهلوا، من فرطوا في قلوبهم حتى قست، عاب وندد سبحانه وتعالى بمن فرطوا في قلوبهم حتى قست والعياذ بالله، أو انتكست أو كادت حتى قست، يقول سبحانه وتعالى: (( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ ))[الأنعام:43].

 

ويقول: (( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ))[البقرة:74].

 

قست بعد ظهور البيان وبعد ظهور الحجة وبعد ظهور الآيات، وبعد.. وبعد.

 

والله جل وعلا يبين لنا أسباب هذه القسوة التي ذكرها في كتابه، في هاتين الآيتين وغيرهما من كتابه وسنة رسوله، يبين لنا أسباب هذه القسوة، وأسباب هذا التشريف الذي فرط فيه أهله، حتى قست قلوبهم وانقفلت، حتى أصبحت لا تتأثر بأي موعظة مهما كانت والعياذ بالله، يبين لنا أسبابها، يوضحها لنا؛ لنحذرها، لنتقيها، لنحصن ونمنع نفوسنا من أن تتشرب إليها هذه الأسباب، فيقول جل وعلا: (( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ))[الصف:5].

 

ويقول: (( وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ))[النساء:155].

 

ويقول: (( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ))[المطففين:14].

 

ويقول: (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ))[النساء:115].

 

يبين لنا أسباب ذلكم الانقفال، وتلكم القسوة، وذلكم الصدود، وتلكم الغفلة، يبينها لنا لإظهار آثار عدله فيمن انحرف، لإظهار آثار عدله جل وعلا، وأنه لا يظلم أحداً جل وعلا، (( إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ))[النساء:40].

 

يبين لنا هذه الأسباب لنحذرها، لنحذر منها حتى لا يصيبنا ما أصاب أولئكم القوم الذين طغوا.

 

 ويأمرنا سبحانه وتعالى بأن نبذل جهدنا، ونعالج قلوبنا، ونعالج أنفسنا، حتى لا نقع في ما وقع فيه أولئكم القوم، يبين الأسباب التي بها طابت القلوب وتطيب، وزكت وتزكو، وصحت وتصح، وتحصنت وتمنعت، يبين الأسباب التي بها تمنعت القلوب أو تحصنت من أن يتسرب إليها مفسد أو مميت أو قاتل أو ممرض، يقول جل وعلا فيمن انتفعوا بالذكر فيما يقابل أولئكم الذين قست قلوبهم، يبين في المقابل من لانت قلوبهم وسبب لينها، من طابت وسبب طيبتها، من صحت وسبب صحتها، لنأخذ بهذا السبب الذين صاروا به، (( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ))[الرعد:28].

 

بذكر الله لا بذكر غيره.

 

(( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ))[الزمر:23].. (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ))[الأنفال:2].

 

وإن المسلم الذي يريد أن يحفظ ما لديه من خير ويحصنه، ويجعله محاطاً بالتحصين في منعة، وفي حصن متين أمين، إن المسلم الذي يخاف أن يخرج مما عنده من خير ويرجوا الله, ليحرص كل الحرص ليعلم, أن قلبه, أن قلبه الذي هو مناط تكليفه ومصدر هدايته, مصدر حياته, مصدر إبصاره للحق, مصدر إبصاره وهدايته وحياته المعنوية, أن قلبه بضاعته, أن قلبه سلعته التي يحافظ عليها إن ربحت ربح, وإن خسرت خسر, إن هذه البضاعة وهذه السلعة، وهذا الأمر يجب أن يكون محل اهتمام المسلم؛ لأنه إن ربحت هذه البضاعة لديه، ربح بقايا أمره، وإن خسرها لا حول ولا قوة إلا بالله، خسر ما لديه والعياذ بالله، ولذا جاء في الحديث الشريف: [ ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ].

 

فالمؤمن الذي يحرص أن يحفظ هذه البضاعة ومصدر هذا الخير الذي إن طاب وخلي من الشبه، وخلي من الشكوك، وخلي من كل شبهة، تعارض أخبار الله، أو شهوة تميل إلى ما حرم الله، إن طاب طاب أمره، وإلا خسره؛ إنه ليحرص كل الحرص على أن يحفظه، وبماذا يصان ويحفظ إن كان طيباً سليماً، وبماذا يعالج إن كان مريضاً سقيماً، بماذا؟

 

أولاً وقبل كل شيء يحرص المرء على أن يتعاهد قلبه بالقرآن، يتعاهد نفسه بتدبر القرآن، بالقرآن وبالأذكار الصحيحة، بتدبرها والاتعاظ بها، وامتثال ما في ذلكم من أوامر ليحيي قلبه بهذا الذكر، وليبتعد عن ما يصد من أي صاد، فيحرص من جانب على أن يحفظ خيره، ويتعاهده وذلكم بتعاهد قلبه، بتعاهد نفسه بالقرآن الكريم تدبراً وعملاً، وبالأذكار الصحيحة أيضاً قراءة وتدبراً واتعاظاً بها، وامتثالاً لأوامرها، مع ذلكم يبذل وسعه في عمل الطاعات بوجه عام، ويجتنب المنكرات بوجه عام، فالطاعات كثيراً ما تكون حفاظاً على الإيمان، وحفاظاً على سلامة القلوب والمعاصي، كثيراً ما تكون سبباً في ضياع الإيمان كلياً أو في نقصانه والعياذ بالله من ضياعه أو نقصانه.

 

 وبأن يبذل جهده مجالسة الأخيار الذين إذا رءوا ذكر الله، الذين قال الله في مثلهم: (( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ))[الكهف:28]، يبذل جهده في مثل هذه الأمور.

 

 وبالنظر إلى أن الكليمة تقدمة، وأنني أحب أن أحصر الموضوع في نقاط ليستفيد من يحتسبون أو من يسلكون هذه المسالك، فإنني أعود مرة ثانية وأجمل القول لمن فاتهم بعضه في الأول أو لمن فات عليهم بعض فهمه لسرعة أو غيرها، فأقول:

 

إن الأسباب التي يطلب من المؤمن أن يحصن قلبه منها، يجعله في حصن ما تتطرق إليه من ملذات، أشياء، منها في الدرجة الأولى المعاصي يا إخوة كبيرها وصغيرها، قوليها وفعليها، ما من شك أن لها أثراً عظيماً على القلوب فمن يريد تحصين قلبه، وجعله في منعة، فليتجنب تلكم المعاصي جملة وتفصيلاً، صغيرها وكبيرها، قوليها وفعليها، وأحيلكم في هذا إلى كتاب العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي) وما ذكر فيه من آثار المعاصي على أهلها، وماذا تفعله في قلوبهم، في نياتهم، في وجوههم، في مقامهم، في مكانتهم أمام الناس، في واقعهم، في معايشهم، في صلاتهم بالناس، في سياستهم في كل شأن من شئونهم.

 

فهذا جانب ويقابله لمن يريد التحصن، وتقدم قول الله: (( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ))[الصف:5].

 

وقوله سبحانه وتعالى: (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ))[النساء:115].

 

وفي المقابل يغذي من تجنب هذه الأمور ووفق لها، يغذي قلبه ما استطاع بالطاعات، فالطاعة تجر الطاعة، وتجلب الطاعة، وتزيد في الطاعة، وهذا معلوم لديكم ومكرر كثيراً، وفي هذا قوله جل وعلا: (( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ))[الفتح:4].

 

وقوله: (( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ))[مريم:76].

 

وقوله: (( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى ))[محمد:17].

 

وقوله: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ))[يونس:9].

 

فيترك المرء المعاصي احتساباً لله وخوفاً من آثارها، ويعمل الطاعات رجاء ثواب الله سبحانه وتعالى، ورجاء الآثار المترتبة عليها التي وعد الله سبحانه وتعالى بها.

 

ومن ذلكم من الأسباب الواجب توقيها وتحصين القلوب منها، هي الغفلة والصدود عن ذكر الله، عن القرآن، وإذا قلنا عن ذكر الله، فالمقصود بمعناه الواسع عن أداء الفرائض قولية أو فعلية أو... عن قول الحق عن غير ذلكم عن ذكر الله بمعناه الواسع، قولي، فعلي، اعتقادي، ومن ذلكم ما يصد عن الجهاد، ومن ذلكم ما يصد عن قول الحق، وقد جاء في الحديث: [ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ].

 

فلا شك أن الصدود عن كتاب الله وعن ذكر الله، والغفلة، والالتهاء عن ذلكم، والاشتغال بما يحل محلها بما يصد ويلهي عنها، أو يضعف مكانها في النفس، أو يضعف نصيبها من زمن المسلم، ومن إحساسها، ومن.. ومن.. إلى آخره.

 

ما من شك أن هذا الأمر يا إخوة من الأمور الخطرة التي تهدد القلوب، تهددها ولو تركت ولو توسع فيها، لكان لها ما كان من إماتتها والقضاء عليها؛ حتى تصبح والعياذ بالله... قلوب من عابهم الله ونددهم وذكر عنهم ما ذكر في الآيات السابقة.

 

بعد تبين الآيات، وبعد تبين العظات، وبعد تبين.. وبعد تبين.

 

فالغفلة والصدود عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعن الواجبات، يا إخوة من الأمور التي تقسي القلوب، وتمرض القلوب، وتجعلها مشغولة دوماً في غير ما طلب منها.

 

فالمسلم الذي لديه قلب سليم، وإيمان سليم، وتفكير سليم، يبذل جهده في تحصين قلبه من أن يغفل، من أن يهمل، من أن يتشاغل بغير ما ينتفع به في دينه، ويعالج نفسه بأن يكون على عكس ذلكم، أي: منتبهاً، متأثراً بالآيات القرآنية، مشتغلاً بما ينفعه عند الله سبحانه وتعالى، باذلاً جهده وتحركاته كلها فيما يرضي الله، منتفعاً بالآيات القرآنية إذا تلاها مؤثرة فيه، منتفعاً بالمواعظ، منتفعاً بكل شيء، أما أن يهمل نفسه، ويصبح ويمسي وديناه ملء سمعه وبصره وإحساسه، فما من شك أن هذا مهدد بقسوة القلوب، وبغفلة القلوب، وبصدود القلوب.

 

فالأمر عظيم لمن يقع في هذه الأمور، لمن يصبح ويمسي ودنياه همه، وعلاقاته وصلاته وتحركاته لا يكاد يجد لنومه أو لعباداته المجال الذي يكون في عبادته فيها محساً بمناجاة الله، محساً بلذة الطاعة، محساً بارتباطه بالله في هذه العبادة.

 

ليس هناك شك أن مثل هذه الإنسان يعتبر غافل، لاهي، ساهي، مهدد بقسوة القلوب، مهدد بموت القلوب، وأن الواجب عليه أن يعالج هذه الأمور باستعمال ما يطردها عنه، بدل الغفلة ينشغل بالطاعة، ينشغل بالذكر، بدل الانهماك في الدنيا، ينهمك في أمور الخير وفي أمور الآخرة، وفي أمور ذلكم..

 

ومن الأمور الخطرة على القلوب وهي ضمن المعاصي المتقدمة منها يا إخوة، ما ابتلينا به في مثل هذا العصر، أن يصبح المرء مسبحاً طرفه في رؤية مسلسلات، في رؤية أمور وتمثيليات وأمور.. وأمور.. ومناظر تشد قلبه، وتأخذ إحساسه أو فاتحاً سمعه لاستماع الأغاني، لاستماع القيل والقال الذي لا فائدة فيه، لاستماع الشتائم، لاستماع التجسس، لاستماع الغيبة والنميمة، هذه التي الآن يقع فيها كثير من الناس، ما من شك أن الإنسان الواقع فيها واقع في مهلكة لم يتداركه الله، فالذي في الله يصبح ويمسي، عندما يمسي رأسه مليء بهذه المناظر، وأذنه مليئة بهذه الاستماع، وأخذه وإعطاءه كله مليء، هل سيبقى منه شيء لمناجاة ربه؟ لعباداته، إذا نام انعكست عليه هذه الأشياء حتى عليه في المنامات، فضلاً عن أن تنعكس عليه وهو يؤدي فرضه المحدود الذي قد لا يسبق بنافلة، ولا يلحق بها، ولا يرتبط به الارتباط المطلوب، وإنما في حدود الإجزاء.

 

فالمؤمن يا إخوة ينظر إلى هذا الوضع الذي يعيشه الناس، فيحاول أن يسل نفسه منه، يشغل عينيه بما ينفعه في هذه المناسبة، الرسول عليه الصلاة والسلام صلى مرة في كساء به أعلام، فقال لما صلى: اذهبوا بها إلى أبي جهم، فإنها شغلتني عن صلاتي، وأتوني بأنبجانية أبي جهم، كساء آخر لا أعلام فيه.

 

فالذي امتلأ نظره بهذه المرائي قبل أن ينام، وامتلأ سمعه بهذه المسموعات قبل أن ينام، أو قبل أن يخرج إلى صلاته، وامتلأ أخذه وإعطاؤه بهذه الأمور، هل قلبه يعتبر ليناً منفتحاً لسماع الآيات إلا من شاء الله، ليس هناك شك أن هذه وسائل.

 

فالمؤمن يتحاشاها ويأخذ مقابلها أن يأخذ الطاعات، يسل نفسه مهما استطاع، يشغل قلبه بذكر الله، يشغل عينيه بما ينفعها، يتجنب الأمور التي تجر عليه هذه الأشياء، يتجنبها مهما استطاع ليكون قلبه في حصن حصين، ومكان أمين من أن يتسرب إليه ما يمرضه.

 

من الأمور التي تمرض الانهماك في المباحات، الكثير منا انهمك في المآكل وفي المشارب وفي الملاهي، وفي المنامات وفي كل شيء، وإن كانت مباحة، لكن الانهماك في المباحات أيضاً مما يقسي القلوب، يعني أنواع المأكولات وتعدداتها وأنواعها مباح صحيح، لكن أنا آخذها ويكون عندي انتباه من جانب، لئلا تصدني الانهماك في المباحات من الأمور التي تجعل المرء ربما غافلاً عن ذكر الله، وصاداً عن ما وراءه.

 

منها يا إخوة أيضاً سماع الأغاني، أي لهو في الدنيا، ففي الحديث الذي رواه الخمسة، وصححه عدد من العلماء، وحسنه عدد: [ كل شيء يلهو به الرجل فهو باطل، إلا ثلاثة ] كل شيء.

 

فأي أمر دخل فيه كلمة (يلهو) يعني: عند البدايات قد لا يكون الأمر نهي ما، كلمة أو قصة أو بداية حاجات بسيطة في غناء أو في غيره مبدأياً، قد لا تدخل مكان اللهو، لكن إذا بدأت بداية شد الصاحب، أو شد السامع، شد الرائي، شد الملاعب، إذا بدأت تشده أصبحت له

تحميل : Word
ارسل لصديق
طباعة الصفحة
أدخل كلمة البحث:
 
 
( 1679548 ) متصفحين للموقع
( 242 ) فتاوى
( 100 ) الصوتيات
( 0 ) المؤلفات
الشيخ/ ابن جبرين..
اللجنة الدائمة لل..
الشيخ/ ابن باز..
الشيخ/ ابن عثيمين..
 
حقوق النشر والطبع محفوظة لموقع فضيلة الشيخ عبد الله بن حسن القعود
  info@alqaoud.net
فن المسلم لتصميم مواقع الانترنت و الدعاية و الاعلان